كلِّموا الناس في الشوارع

31 أكتوبر 2016
الصورة
يبتعد السياسيون التونسيون عن الاحتكاك بالناس (كريستوفر فورلونع/Getty)
+ الخط -
تحوّل السياسيون مع الزمن إلى كائنات تلفزيونية، لا يواجهون إلا الكاميرا ولا يحسنون التحدث إلا إليها، وانقطع حبل وصالهم مع الناس حتى تعالت الجدران الفاصلة يوماً بعد يوم وحصلت القطيعة، وأصبح الشعب في وادٍ وقادته في وادٍ آخر لا يلتقون إلا مرة كل خمس أو أربع سنوات، إذا دعت حاجة تسوّل وتوسّل الأصوات لذلك.

لكن اللافت في الوضع السياسي التونسي، أن الزعيم المؤسس للدولة، الحبيب بورقيبة، الذي عاد كثر لتبنيه من جديد، نسج أسلوباً لافتاً وناجعاً في الترويج لخيارات الدولة أو الحكومة، تمثل في التحدث مباشرة للشعب، حيثما كان وباللغة التي يفهم.
يتذكر التونسيون جيداً كيف كان بورقيبة يتحدث إليهم يومياً لبضع دقائق في مقتطعات من خطابات جماهيرية كانت تبدأ بقضايا النظافة الجسدية للمواطن وصولاً إلى الخيارات السياسية الكبرى للدولة.
بغض النظر عن محاولة تقديس الشخص وتحويله إلى مصدر الإلهام الوحيد، والمالك الأوحد للحقيقة، فإن تلك الطريقة في الالتقاء بالتونسيين مباشرة، أثبتت نجاعتها في سنوات الاستقلال الأولى قبل أن تتحول إلى مصدر للتندر لدى التونسيين، وتقود بالتالي إلى انتهاء مرحلة من تاريخ تونس.
لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماماً، إذ قرر السياسيون أن يبتعدوا نهائياً عن الناس، لا يكلمونهم إلا من وراء جدران، وعبر صالات مغلقة وفي اجتماعات لا يحضرها إلا عشرات تم انتقاؤهم بدقة، أو عبر التلفزيون الذي حوّل السياسيين إلى مساجين لديه، يكيَّف خطابهم كيفما شاء ووفق أغراضه الشخصية.
لكن لحظات حساسة وتاريخية، ولعلها مصيرية كالتي تمر بها تونس، تستوجب بالتأكيد إقناع التونسيين بحجم التضحيات المنتظرة، ومصارحتهم بحقيقة الوضع الذي تمر به البلاد، وهو ما يستوجب الالتقاء بالجماهير مجدداً، تماما كما حدث في مرحلة الوعود التي ثبت أنها لن تنفذ، قبل الانتخابات.
لا يفهم المواطنون البسطاء، لماذا يذهب الساسة إليهم في بيوتهم وأزقتهم الفقيرة قبل الانتخابات، ثم لا يعودون إليهم بعدها، على الرغم من بقاء نفس الحاجة إلى أصواتهم، خصوصاً في هذا الوضع المتشنج والمتوتر الذي ستحتاج فيه الحكومة إلى حزام شعبي يسندها بعد أن تهاوى الحزام السياسي وثبت انه كان مجرد حبر على الورق.
لكن الحكومة ستحتاج إلى وزرائها السياسيين لا التكنوقراط، وإلى عزائمهم الصادقة في التضامن الحكومي وقدراتهم الخطابية المعروفة عندما كانوا في المعارضة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المساهمون