كليات الفنون والتشخيص

27 يناير 2018
الصورة
(فسيفساء في "قصر هشام" بمدينة أريحا)

بدأ الفنان محمود جلال (طرابلس الغرب 1911- دمشق 1975) بممارسة الرسم كهواية في مدينة دير الزور في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي. وقد وصل خبر هذا الأمر "الجلل" إلى مختار الحي الذي كان يقطنه، فأرسل هذا الأخير رسالة إلى أبيه، وكان قاضياً معروفاً في المدينة، يحذّره فيها من عاقبة "تصوير بني آدم" فهذا، برأي المختار، "كفر يقابله العذاب الشديد" بدلالة الحديث الشريف: "إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون".

ومن ثم يطلب المختار من القاضي "التمسّك بأهداب الدين الحنيف والسنة الشريفة" والفرض على ابنه الشاب الامتناع عن التصوير، مهدّداً إياه: "وإلا اضطررنا إلى إشهار ذنبه على المنابر".

لم تكن هذه الحادثة غريبة عن مجتمعنا العربي، كذلك لم يكن من المستغرب أن يظهر مقابل هذا التشدّد، أناس متنورون كالقاضي الذي بحث في الأمر، ومن ثم سمح لولده بالعودة إلى الرسم معتمداً على أقوال للشيخ الإمام محمد عبده تحلّل هذا الرسم مثلما يُحلّل رسم النبات والشجر، إن كان يقصد منه فائدة.

كما قرأ القاضي لابنه مقطعاً يقول الشيخ الإمام فيه: "يغلب على ظنّي أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرّم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين، لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل".

مرّت عشرات السنوات على هذه الحادثة، واعتقدنا أن هذه السنوات كانت كفيلة لتجعل من اللوحة التي تصوّر "بني آدم" أمراً مألوفاً شائعاً في مجتمعنا، لا يتعارض مع الأفكار ولا يؤثّر على المعتقدات، وأننا قد تجاوزنا هذا الأمر مع إحداث كليات الفنون في بلادنا وظهور الكثير من المصوّرين الأفذاذ الذين أثبتوا جدارة في بلدانهم كما في بلدان أخرى.

ونحن نعلم بالطبع جميعاً أن الأمويين مثلاً قد مارسوا التصوير والنحت سابقاً. فقد عُثر في موقع "قصر هشام" في أريحا على تماثيل، وكذلك عُثر شرقي عَمَّان في قصير عمرة، وهو حمّام ملكي قد بُني في عهد الوليد بن عبد الملك على جداريات رسمت عليها نساء عاريات. ولا ننسى الكتب المزينة بريشة الواسطي...

■ ■ ■

منذ فترة غير وجيزة، يتناهى إلى أسماعنا عودة استخدام كلمة أصنام للدلالة على التماثيل الفنية حتى من قبل المُدرّسين في كليات الفنون، حتى أن البعض منهم، في كلية الفنون الجميلة بدمشق، قد حاولوا تغطية بعض هذه "الأصنام" الموجودة في الكلية بالقماش.

وقد سبق وتكلّمنا في مقالة سابقة عن عزوف الطلبة دخول قسم النحت في جامعة حلوان المصرية إلا طالباً واحداً قبل عشر سنوات تقريباً، لأسباب نعرفها جميعاً. وتكتب إلينا إحدى طالبات الكلية بدمشق عن طلاب وطالبات كانوا يتركون درس الرسم "لعدم رضاهم عن حشمة ملابس الموديل"، علماً أن في ستينيات القرن الماضي كان الطلاب يتدربون على الرسم عن موديل حي عارٍ.

والحال لا يختلف كثيراً في غير بلدان كالأردن مثلاً، حيث سُحبت قبل سنوات لوحات لراقصة باليه من معرض تخرّج الطلاب بداعي عدم الحشمة، وغُطّي مشروع طالب نحت بقماش للسبب نفسه...

وربما هذا ما يدعونا للاعتقاد أن توجه الكثيرين من خريجي الفنون في إنتاجهم إلى التيارات التجريدية أو الزخرفية أو إلى التيار الذي ندعوه تقليدياً التيار الحروفي، هو هروبٌ من مسألة التشخيص أو درءٌ للمشاكل. ويتندّر البعض بأن طلاباً يجدون في قسم العمارة الداخلية القسم "الحلال" في كليات الفنون الجميلة.

■ ■ ■

من باب الاستقصاء، اقترحنا قبل أشهرٍ في منشور لنا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي استحداث كليات فنون جديدة في بلادنا تعنى بالخط والزخارف والفنون التطبيقية، أي تعنى بفنون لا تشبيهية، فلا تُعلّم التصوير ولا النحت.

وكانت فكرتنا أن يستطيع الدراسة والتدريس فيها من يجد في مناهج الكليات التقليدية ما هو حرام، ويترك بالتالي الكليات القديمة لمن أراد دراسة التصوير والنحت بكل أشكاله، فلا يُنغّص عليه عمله.

طبعاً جاءت الردود كثيرة غاضبة أحياناً وأحياناً ساخرة، لكننا انتخبنا منها رداً لمنير الشعراني، أحد كبار الخطاطين العرب، نختم به مقالتنا هذه. لقد عارض الشعراني هذا الاقتراح "الافتراضي" لأنه وجد فيه تنازلاً غير مبرّر أو مقبول لـ"فقهاء الظلام" كما يسميهم.

وقال أيضاً إن "الخط العربي وغيره من فنوننا غير معزولة عن غيرها من الفنون الأخرى، لأنها نتاج حضارة لا دين. وكليات الفنون لا ينبغي لها أن تقبل أساتذة كهؤلاء، فيجب تدريس الفنون كما ينبغي لها أن تُدرّس، وكما هي تُدرّس في كل مكان في العالم".

* فنان تشكيلي سوري