كلور حلب: الذريعة المطلوبة لنسف موسكو ودمشق اتفاق سوتشي

كلور حلب: الذريعة المطلوبة لنسف موسكو ودمشق اتفاق سوتشي

26 نوفمبر 2018
الصورة
اتهم النظام المعارضة باستهداف أحياء بحلب بغازات سامة(فرانس برس)
+ الخط -
يتّجه الموقف في شمال غربي سورية إلى مزيد من التأزيم، إذ يتعرّض اتفاق أبرمه الرئيسان التركي، رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والذي جنّب المنطقة أعمالاً عسكرية، لتهديدات جمّة في ظلّ مساع متلاحقة من النظام والإيرانيين، تلاقيها "جبهة النصرة" وفصائل تدور في فلكها، في منتصف الطريق، لنسف هذا الاتفاق أو إعادة ترتيبه. وما تعرُّض أحياء داخل مدينة حلب، مساء السبت، لقصف بقذائف صاروخية متفجّرة تحتوي غازات سامة، في حدث من المتوقّع أن يكون له تداعيات كبيرة قبيل أيام من انعقاد جولة جديدة من مسار أستانة (28 و29 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي) المعني بالتهدئة في سورية، إلا دليلاً على ذلك، وخصوصاً في ظلّ ما تبعه من استهداف للمنطقة منزوعة السلاح من قبل النظام السوري وحليفته روسيا. وفيما حاول النظام والروس إلصاق التهمة بالمعارضة السورية المسلحة، نفت الأخيرة بالمطلق امتلاكها لأسلحة محرمة دولياً، معتبرةً ما جرى أنه "يأتي في سياق افتراءات وأكاذيب روسية".

وزعم النظام السوري أنّ ما سماها بـ "المجموعات الإرهابية" استهدفت مساء السبت أحياء الخالدية وشارع النيل وجمعية الزهراء في مدينة حلب شمال سورية بقذائف صاروخية متفجّرة تحوي غازات سامة، متحدثاً عن إصابة 100 مدني بينهم أطفال ونساء جراء الاعتداء.

واستغل النظام ما جرى، في محاولة للالتفاف على اتفاق سوتشي، إذ أكّد "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، أمس الأحد، تنفيذ طائرات حربية تابعة للنظام لضربات جوية خرقت للمرة الأولى اتفاق المنطقة منزوعة السلاح، مشيراً إلى أنّ الغارات استهدفت ضاحية الراشدين في الضواحي الغربية لمدينة حلب، ومنطقة خان طومان في القطاع الجنوبي الغربي من ريف حلب، ما تسبب بدمار في المنطقة، وسط قصف مدفعي وصاروخي من قبل قوات النظام على مناطق في الضواحي الغربية والشمالية الغربية لمدينة حلب.

كذلك، اتخّذت روسيا مما جرى ذريعةً لاستهداف المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، إذ أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس الأحد، قصف مواقع تابعة للمعارضة، غربي مدينة حلب، قالت إنها تأتي في سياق الردّ على القصف الكيميائي. وأوضح المتحدّث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، في تصريح صحافي أنّ "الاستخبارات التابعة للقوات الروسية الموجودة في سورية رصدت في المنطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب المرابض التي أطلق المسلحون المقذوفات منها لاستهداف المدنيين في مدينة حلب بالمواد الكيميائية". وأضاف أنّه "استناداً إلى المعلومات الاستخباراتية أغارت الطائرات الحربية الروسية على مواقع الإرهابيين التي قصفوا منها حلب بالذخائر المحشوة بالمواد الكيميائية، مساء السبت، ما أسفر عن تدمير الأهداف المحددة كافة". وأشارت وزارة الدفاع الروسية في البيان الذي تلاه كوناشينكوف إلى أنّ الجانب الروسي أبلغ تركيا مسبقاً عبر "الخط الساخن" بتلك الغارات.

وكانت الوزارة نفسها قالت إنّ خبراءها بدأوا بتقديم المساعدة للمصابين في الأحياء السكنية بمدينة حلب جراء الهجوم، مشيرةً على لسان كوناشينكوف، إلى أنّه "وفقاً للبيانات الأولية التي تؤكّد على وجه الخصوص أعراض التسمّم عند الضحايا، فإنّ القذائف التي أطلقت على المناطق السكنية في حلب محشوة بالكلور". وكرّر المتحدّث مزاعم بلاده القائمة على اتهام الدفاع المدني التابع للمعارضة السورية بمحاولة "تنظيم استفزازات باستخدام المواد الكيميائية في المنطقة منزوعة السلاح حول إدلب، لاتهام الجيش السوري بشنّ هجمات بالأسلحة الكيميائية على السكان هناك". وأشار كوناشينكوف إلى أنّ "الخبراء الروس يتابعون عن كثب الوضع في منطقة وقف التصعيد في إدلب، التي يتحمّل الجانب التركي مسؤوليتها عموماً"، موضحاً أنّ موسكو "تعتزم بحث ضرب المسلحين مدينة حلب بالغازات السامة مع أنقرة، كونها ضامنة التزام المعارضة المسلحة بوقف الأعمال العدائية هناك".

وتابع كوناشينكوف بالقول إنّه "وفقاً للمعلومات الواردة من (قاعدة) حميميم، فقد أُطلقت قذائف هاون عيار 120 مليمترا قد تحوي الكلور، على حي الخالدية وشارع النيل من الضواحي الجنوبية الشرقية لقرية البريكيات الخاضعة لسيطرة مسلحي جيش تحرير الشام"، مشيراً إلى "تعرّض 46 شخصاً بينهم 8 أطفال لإصابات كيميائية تمّ نقلهم على إثرها إلى مستشفيات حلب".

من جهتها، نفت المعارضة السورية المسلحة مزاعم النظام السوري والجانب الروسي، مؤكدةً أنها "محاولة للتغطية على المجازر الأخيرة في المنطقة منزوعة السلاح، ومقدمة لاستخدام أسلحة محرمة دولياً لنسف اتفاق سوتشي".

وقالت "الجبهة الوطنية للتحرير"، كبرى فصائل المعارضة في الشمال السوري، في بيان لها "إنّ غاز الكلور والسلاح الكيميائي لا يملكه سوى النظام السوري"، مضيفةً أنّ "هذه الافتراءات من جانب النظام تأتي للتغطية على جرائمه والتي كان آخرها استهداف مدرسة في بلدة جرجناز السبت الماضي بقذائف المدفعية، ما أسفر عن استشهاد عدد من الأطفال والنساء". كما نشرت غرفة عمليات "جمعية الزهراء" التي تعتبر "الجبهة الوطنية للتحرير" أبرز مكوناتها، بياناً عبر وسائل إعلامها، نفت فيه قصفها بأي نوع من الغازات السامة أو الكيميائية مدينة حلب، أو غيرها، واعتبرت أنّ النظام "يتخذّ ذلك حيلة لتبرير أعمال مستقبلية قد يرتكبها".

بدوره، أكّد القيادي في "الجيش السوري الحرّ" ورئيس "حركة تحرير الوطن"، العقيد فاتح حسون، أنّ اتهام النظام للمعارضة "باطل ولا أساس له"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد" أنّ "ما جرى في حلب تحضير لعمل مستقبلي لتخريب اتفاق سوتشي قبيل جولة مباحثات أستانة المقبلة، وذلك بإيعاز إيراني ورضى روسي". وأشار حسّون إلى أنّ الطيران الروسي "بدأ للمرّة الأولى منذ اتفاق سوتشي بتوجيه ضربات جوية على محور الراشدين وخان طومان في ريف حلب الجنوبي"، لافتاً إلى أنّ أصابع الاتهام "تتجه نحو المليشيات الإيرانية بالوقوف وراء ما جرى في حلب"، مؤكداً "وجود منشآت تديرها إيران داخل سورية تستخدم لأغراض كيميائية".

إلى ذلك، قال الصحافي محمد الحلبي، إنّ "النظام معتاد على صنع المسرحيات بهدف التغطية على المجازر، وها هو يحاول التغطية على المجزرة التي ارتكبها السبت وأسفرت عن مقتل سبعة أطفال وامرأتين في بلدة جرجناز جنوب إدلب". وأوضح الحلبي في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "الأشخاص الذين صوّرتهم وسائل إعلام النظام على أنهم مصابون، لم تظهر عليهم آثار الإصابة بالغازات السامة، على عكس الحالات التي كنّا نشهدها عندما تقصف قوات النظام مناطق المعارضة".

وتأتي الأحداث المتلاحقة في شمال وشمال غربي سورية قبل أيام من انعقاد الجولة 11 من مسار أستانة في العاصمة الكازاخية، وهو ما يؤكد سعي النظام وحلفائه الإيرانيين إلى نسف اتفاق سوتشي الذي أعلن عنه أردوغان وبوتين، في مدينة سوتشي الروسية في 17 سبتمبر/أيلول الماضي، وخصوصاً أنّ طهران لم تكن جزءاً من هذا الاتفاق الذي نزع فتيل الحرب التي توعّد بها النظام طويلاً، قبل أن يلجمه الروس.

وإذا كان النظام غير قادر على شنّ هجوم عسكري على شمال غربي سورية بسبب الرفض الروسي، إلا أنّه ماض في حربه الإعلامية، وما جرى في مدينة حلب مساء السبت يأتي في سياق هذه الحرب التي تبحث عن مدخل واسع لمحاولة سحق المعارضة في محافظة إدلب، ما يعني نهاية هذه المعارضة في معظم أنحاء البلاد.

ويعتبر قادة في المعارضة السورية، أنّ النظام يشعر مع حلفائه الإيرانيين بأنّه بات في وضع عسكري يمكّنه من إخضاع شمال غربي سورية، حيث لم تعد لديه جبهات قتال مفتوحة بعد صفقة أبرمها مع تنظيم "داعش" في ريف السويداء الشرقي، انسحب وفقها التنظيم من منطقة تلول الصفا إلى البادية السورية مترامية الأطراف. ورأى هؤلاء أنّ النظام حاول استفزاز المعارضة صباح السبت بارتكاب مجزرة في بلدة جرجناز في محافظة إدلب، وعندما لم تنجر المعارضة إلى محاولة النظام الدخول بمعركة، متجاوزاً اتفاق سوتشي، افتعل هجوم الغازات السامة في مدينة حلب.

وفي هذا الإطار، قال القائد العسكري في "الجبهة الوطنية للتحرير"، النقيب عبد السلام عبد الرزاق، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "اتهام المعارضة بما جرى في مدينة حلب يأتي في سياق الرواية الإعلامية من قبل الروس والنظام الذي دأب على تأليف قصص عن نقل أو امتلاك أو استخدام الثوّار لنوع ما من السلاح الكيميائي". وتابع بالقول "كان الكذب واضحاً السبت في طريقة الفبركة، إذ لم يتم تصوير حالات إصابة عن قرب، وكان الحديث عن انفجارات قوية، والمعلوم أنّ ذخائر المواد السامة بالكاد يسمع صوت انفجارها"، نافياً بالمطلق أن يكون لدى المعارضة السورية المسلحة مواد سامة أو مختبرات أو مخزون أو وسائط استخدام لهكذا أسلحة. وقال "ربّما النظام المجرم يعدّ لاستخدام هذه الأسلحة بشكل واسع ويسعى لإلصاق التهمة بالثوار".

ويسعى النظام إلى استغلال ما جرى في مدينة حلب سياسياً، في محاولة منه لتأليب المجتمع الدولي ضدّ المعارضة السورية، إذ طالبت وزارة الخارجية في حكومة النظام مجلس الأمن بـ "الإدانة الفورية والشديدة لهذه الجرائم الإرهابية"، زاعمةً "أنّ اعتداء التنظيمات الإرهابية على الأحياء السكنية في مدينة حلب جاء نتيجة تسهيل بعض الدول وصول المواد الكيميائية للإرهابيين". وطالبت بـ "اتخاذ إجراءات رادعة وعقابية بحقّ الدول والأنظمة الداعمة والممولة للإرهاب".

المساهمون