كلود لومان: تشكيل عربي في باريس

18 ابريل 2019
الصورة
"أنشودة المطر للسيّاب" لـ إيتل عدنان (من المعرض)

"بالريشة، بالفرشاة، بالقلم... رسومات من العالم العربي" هو عنوان المعرض الذي افتُتح في السادس والعشرين من مارس/آذار الماضي، في "متحف معهد العالم العربي"، باريس. هذا المعرض هو، في الحقيقة، واحد من سلسلة معارض تنظَّم في هذا الفضاء حالياً وتُخصّص للمجموعة الاستثنائية التي وهبها له جامع اللوحات الفرنسي، من أصل لبناني، كلود لومان وزوجته فرانس، مؤخّراً.

بدأت هذه السلسلة بمعرض كبير لمجموعة متنوّعة من الأعمال افتُتح في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي ويُختَتم في الخامس عشر من سبتمبر/أيلول المقبل، وقد رُفد بمعرض خاص لأعمال السوري يوسف عبدلكي وآخر بعنوان "صورة الطائر غير الموجود"، ويضم الأعمال التي استلهم الفنانون فيها قصيدة كلود آفلين (1901 - 1992)، الكاتب والشاعر الفرنسي المعروف بمقاومته ضد النازية.

أمّا المعرض الحالي والمستمر حتى منتصف سبتمبر، فهو مخصّص، كما يبدو من اسمه، للرسومات التي نُفّذت بهذه الأدوات (الريشة والفرشاة والقلم) على الورق، وهي بتوقيع اثنين وخمسين فناناً عربياً حديثاً ومعاصراً من ثلاثة أجيال.

احتلت الأعمال المعروضة ثلاثة طوابق، مجاورةً بعض الأعمال الفنية المختارة بعناية، والتي تعود ملكيتها للمتحف، وقد تركها المنظّمون ليقيموا حواراً مثيراً في المواضيع المتشابهة ما بين المجموعة الحديثة وبين الأعمال القديمة التي يعود بعضها إلى عهود سبقت الميلاد.

تستقبلنا في البداية ثلاثة أعمال قديمة، واحدٌ منها لأسد يفترس رجلاً، وهو رسم صغير بالحبر البنّي يعود إلى العهد الفاطمي، لتأتي بعدها اللوحات التي أهداها كلود وفرانس لومان للمتحف، ونذكر منها أوائل الأعمال التي اقتناها لومان أثناء وجوده في مصر كلوحة "الموسيقي الضرير" للفنان المصري ممدوح عمّار (1928 - 2012)، وكذلك رسماً خطياً لحامد ندا، ولوحات معاصرة أخرى مثل عمل للجزائرية زليخة بو عبد الله التي تنسخ لوحة كوربيه "الصديقتان" بطريقتها، فتؤلّفها من ثماني رسومات منفصلة، ولوحة للتشكيلية السورية الشابة نغم حديفي بعنوان "شهرزاد".

اللوحة الثالثة من سلسلة "المعلّقات" (1978) لضياء العزاويفي طابق آخر، نستمتع بتأمل "المعلّقات" الشهيرة بتوقيع ضياء العزاوي والتي تعود إلى سنة 1978، وأيضاً بعمل تركيبي هائل للسوري كيفورك مراد بعنوان "المدينة الخالدة" يزيّن بطاقة الدعوة، وكذلك بقطعة فريدة مرسومة بالحبر الصيني للجزائري بن عنتر تصوّر الحلاج مصلوباً. ويضمّ المعرض أيضاً في طابق منفصل بعض الكتب الفنية الأصلية، من نسخة وحيدة، ومنها كتاب للمصري جورج بهجوري وللعراقيين همّت وحسين الطائي. نجد إلى جانب هذه الكتب عملاً بديعاً معلقاً على الحائط لشفيق عبود وتخطيطات بالحبر الأسود للفنانة والشاعرة اللبنانية الأميركية إيتيل عدنان.

في آخر جولتنا، وقبل الخروج من قاعات المتحف، تستقبلنا على هامش المعرض مجموعة من الأعمال المحفورة للسوداني محمد عمر خليل يزيّن فيها "موسم الهجرة إلى الشمال" رواية ابن بلده الطيب صالح الشهيرة. ولن تنتهي عند هذا المعرض سلسلة نشاطات هذه "الهبة" مع المتحف الذي يُعد جزءاً من متاحف فرنسا؛ فالمشاريع المستقبلية تجهّز تباعاً، وهناك أعمال تنتظر فرصتها لملاقاة جمهور الزوار والمهتمين.

أغنت هذه الهبة مجموعة المتحف التي كانت تقدر بخمسمئة عمل فقط، بأكثر من 1300 عمل فني، ما بين لوحة ومنحوتة ومحفورة وكتاب فني وصور ضوئية وقطع خزف.

ووقّع كلود وفرانس لومان العقد بشأنها في 24 أكتوبر/تشرين الأول من السنة الماضية مع رئيس "معهد العالم العربي"، وزير الثقافة الفرنسي السابق جاك لانغ، فتحقّق بذلك حلم لومان في أن يمنح مجموعته لمؤسّسة باريسية، كعربون وفاء للمدينة التي أحبها واحتضنته وعرف فيها النجاح، وحلمه أيضاً في أن تكون هذه الأعمال متاحة للجمهور بشكل دائم. وقد أطلقت رئاسة المعهد على الطابق الرابع اسم "هبة كلود وفرانس لومان"، الأمر الذي سيجعله أحد أبرز متاحف الفن العربي الحديث اليوم.

وفي حديث إلى "العربي الجديد"، تحدّث لومان عن بداية مغامرته مع الفن، فبعد أن غادر لبنان مع بداية الحرب الأهلية إلى فرنسا مروراً بسان فرنسيسكو، عمل في السلك الدبلوماسي الفرنسي في الخرطوم كما في القاهرة، حيث بدأ في تلك السنوات هوايته في جمع الأعمال الفنية ليؤسس لاحقاً صالته في قلب باريس في حي مونبارناس الشهير سنة 1988، حينما عاد إليها بعد أن ترك وظيفته الرسمية.

وعن تجربته الأليمة في الحرب الأهلية في بلاده، حيث تعرّض للخطف، دفعته إلى تغيير اسمه وحتى إلى التحفّظ عن ذكره كي لا يشي بطائفته، يقول لومان: "لا أريد أن أضع نفسي في قالب معين. أنا من هذه البشرية"، إلا أن هذا لا يعني القطيعة مع أهله وبلده، بل على العكس، فقد اجتذب لومان أهم الفنانين اللبنانيين والعرب وقدمهم إلى الجمهور الفرنسي، فنجد في أرشيف الصالة أعمالاً لشفيق عبود وبن عنتر ومحجوب بن بلة وإيتيل عدنان والعزاوي وأسادور وشوقي شوكيني وعبدلكي، كما لفنانين من الجيل الجديد كخالد تكريتي وهاني زعرب ونغم حديفي وغيرهم.