كلنا جورج فلويد

07 يونيو 2020
الصورة

زهور أمام صورة فلويد في مانشستر البريطانية (6/6/فرانس برس)

حين ضغط الشرطي الأميركي بكل ثقله على عنق جورج فلويد، لم يكن بالضرورة يفكر في قتله، بل ما حدث كان أقسى من جريمة القتل العمد، لأنها جريمة عدم اكتراث نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة بحياة ملايين من المضطهدين والمهمشين في أميركا وكل أصقاع المعمورة. 
رمزية مشهد تعذيب فلويد أمام الشهود، وتجاهل صرخته "لا أستطيع أن أتنفس"، يختصران، بل يختزلان، الطحن اليومي لأرواح المضطهدين والفقراء، وكل من شاء حظه أن يكون ضمن الفئات والمجموعات أو الشعوب التي بنى الاستعمار هيمنته على أجسادها، وراكمت فئة الواحد بالمائة التي تتحكّم في ثروات العالم أموالها بحبس أنفاس هذه الشعوب، كما حدث مع فلويد. فمن فلسطين إلى مينيسوتا، ومن اليمن والعراق إلى غابات الأمازون في أميركا اللاتينية، ومرورا بمدن وقرى قد لا نسمع باسمها أو نعرف عنها، ما يجري هو عملية كتم أنفاس، قد لا تقتل أحيانا، لكنها تدمر الروح وتشوه الجسد، وتترك ملايين الأطفال تحت رحمة الحروب والأمراض والجوع.
ليس فلويد رجلا أميركيا أسود لا نعرفه، ولا ضرورة أن تكون لنا معرفة مسبقة به، لكن مشهد قتله امتحان لإنسانيتنا وقدرتنا على التضامن الإنساني والنضالي. فلويد هو ثمرة انتصار على تاريخ العبودية المشين، سليل أجدادٍ امتهنت كرامتهم وإنسانيتهم بخطفهم من أفريقيا، وزجهم في أسفل سفن ضخمة، وإرغامهم على التجذيف ساعات وأياما وليالي وأشهرا، مقيدين بأصفاد ثقيلة، مرميين منسيين عرضة للبرد والحر والرطوبة، تنهش أجسادهم فئران البواخر، بالكاد يُعطَونَ طعاما وماء لسد رمق أو جوع، وذلك كله لخدمة الرجل الأبيض.
ليس ذلك المشهد جزءا من تاريخ مضى، بل هناك عملية مستمرة في أشكال جديدة من التمييز 
العنصري، بل والتطهير العرقي والقمع والاحتلال العسكري، بأشكال جديدة وأحيانا قديمة، وفقا لحاجة أسياد العالم، والاستمرارية تتطلب تعبئةً عنصريةً وإثنية ومذهبية وأدوات قمع لا حدود لوحشيتها، وتتطلب إعادة ترويج روايةٍ تظهر الضحية خطرا دائما، أنه وحش يجب ترويضه، قمعه أو قتله أو تعريضه لكل تلك الأفعال معا، لأنه يشكل تهديدا لحضارة الرجل الأبيض.
لا يختلف ما نراه في فلسطين في المضمون، فالمشروع الصهيوني بني على الأسطورة نفسها عن دور الرجل الأبيض في جلب الحضارة إلى بلاد الرجل المتوحش، فقد اعتبر مؤسسو الصهيونية أنفسهم جزءا من ثقافة العرق الأبيض، على الرغم من شيوع العداء للسامية، أي اعتبار اليهود عنصرا غريبا في أوروبا يجب التخلص منه، والمجازر التي ترتبت على هذه الشيطنة كما المحرقة النازية، ففكرة الصهيونية مستوحاة من الاستعلاء العرقي للاستعمار الأوروبي، وبل امتدادا له. وبالتالي، تم تقديم الدولة اليهودية في فلسطين في حينها قلعةً متقدّمةً لحماية الحضارة الأوروبية. وقد لا يرى بعضهم الرابط بين العنصرية في أميركا والمشروع الصهيوني في فلسطين، لكن الرابط هو فكرة الهيمنة الاستعمارية نفسها التي تتطلب ممارسة عنصرية وإقصائية وإلغائية إذا تتطلب الأمر، ونسج رواية تظهر الفلسطيني والأميركي من أصول أفريقية خطرين دائمين، وترسيخ تلك الصورة في عقول الناس. وبناء عليه، يقتل الجنود الإسرائيليون فتاة فلسطينية في طريقها إلى المدرسة بحجة الشك أن في حقيبتها سكينا تنوي مهاجمة الجنود به، ويقتل الشرطي الأميركي رجلا أسود للشك في أنه على وشك إطلاق النار، من دون أن يكون معه سلاح حتى لو كان بريئا، لأنه كالفلسطيني مجرمٌ حتى يثبت العكس.
ليست هذه حالة جديدة، بل مارسها من قبل كل المستعمرين، وحتى من أصحاب رؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسيات ضد من يقاوم مصادرة أراضيهم وثرواتهم. والحكايات كثيرة ومستمرة من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية مرورا بكل القارات والبلدان. في أميركا، يستمر اضطهاد السود والتمييز ضدهم، ترافقهما سرقة ثروات السكان الأصليين وتجريم ناشطيهم، على الرغم من كل التضحيات وإقرار قوانين ضد التمييز، وإرساء المساواة، وانتصارات حركات الحقوق المدنية التي لا يمكن التقليل من إنجازاتها، وهي الحركات التي يقودها وينخرط فيها أميركيون من كل الأعراق والخلفيات الإثنية والدينية، لكن الثقافة العنصرية بقيت جزءا من المؤسسة الأميركية. وقد أضاف وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض شرعية على خطاب الكراهية، ليس نحو السود فقط، بل ونحو العرب والمسلمين وكل الأعراق التي يتحدث عنها ترامب باحتقار واستهزاء، يخجل أن يتفوه بهما عنصريون متطرّفون، فقد تفوّق ترامب على أشد العنصريين حقدا ومجاهرة بكراهيته لمن يعتبره الآخر، مستعملا مفرداتٍ تعتبر صادمة حتى في أوساط اليمين الأميركي التقليدي. ساهمت تصريحاته الرسمية وعلى "تويتر" في تشجيع العنصرية على أساس أنها أمر طبيعي، ونرى تأثير ذلك في كل مرافق الحياة الأميركية. ولكن 
ترامب لم يخترع العنصرية المؤسسية، أو يؤسس لها، فقد كانت موجودة وراسخة. كل ما فعله، ومن دون التقليل من خطورة دوره، أنه أضاف البنزين والحطب في نار مشتعلة أصلا، فالمؤسسة الأميركية، بشقيها الديمقراطي والجمهوري، تهاونت في مكافحة العنصرية، لأنها تحتاج العنصرية باعتبارها أداة لإشعال الحروب وغزو البلدان، ولقصف المدن والقرى في بلاد بعيدة وقريبة.
تدين الأصوات النيوليبرالية، سواء من مسؤولين سابقين أو من مراكز أبحاث أو في الصحف، ما يحدث، وبعضها يتبرأ من ترامب، فالأخير لا يهمه أن يظهر ليبراليا أو ملتزما بحقوق إنسان، فهو يجسد خلاصة التفكير العنصري الاستعلائي المرافق للهيمنة الأميركية وهيمنة الطبقات المستبدة من دون كذب أو تمثيل، وهذا خطر على مصالح هذ الفئات، لأنه يفضح زيفها، وفي الوقت نفسه، يحرّض الناس باستفزاز، مؤجّجا سخطهم، ويدفع فئات واسعة إلى الشارع، أي أنه (ترامب)، بأفعاله وكلامه، يهدد المؤسسة الأميركية وقدرتها على احتواء الفئات المضطهدة، وتجهيل المجتمع الأميركي.
الحزب الديمقراطي الذي يعبر بعض قادته عن الغضب ومعارضة ترامب بعباراتٍ لم توجه إلى رئيس من قبل، نسي أنه شارك في تغذية مفهوم العنصرية ضد الشعوب، ووافق على تسليح ديكتاتوريات وأنظمة عنصرية، ما يعني أن ترامب يفضح منظومة كاملة، فهو جزء من نتاجها. إنه يرى العالم بعقلية الرابح الذي يجب أن يحافظ على ربحه وانتصاره بأي ثمن، كما المؤسسة الأميركية التي تدّعي الحفاظ على القانون وحقوق الإنسان، لكنها أتقنت لعبة استعمال القيم والحقوق، في تحكيم سيطرتها على الثروات في أميركا والعالم. ولكن استهتار ترامب كشف عسكرة المؤسسة الأميركية، خصوصا الشرطة الأميركية، وما حدث ويحدث من تفاعلات استدعى أن تقف المؤسسة الأميركية لكبح جماح ترامب، إذ كان يدفع البلاد إلى مواجهات. ولذا تم سحب الجيش، ولكن بعد أن انكشفت للعالم والأميركيين حقيقة المؤسسة والثقافة السائدة فيها، فليس غريبا أن تعتمد عدة ولايات، ومنها ولاية مينيسوتا، إلى تدريب تشرف عليه الشرطة الإسرائيلية، فالمشاهد التي نراها تتشابه مع جرائم الجيش الإسرائيلي.
هل تسهم الأحداث في إيقاظ وعي مغيب عند الأميركيين؟ مواجهة الظلم والاستبداد تعتمد على إحياء التضامن بين الشعوب. وسنرى بعد سنوات جورج فلويد جديداً، وتستمر معاناة شعوب يموت فيها آلاف جورج فلويد كل يوم.