كلمات لن تنصف الدكتور نصر

09 يوليو 2020

في مثل هذه الأيام من عشر سنوات، كتبت أرثي المفكر البارز الدكتور نصر حامد أبو زيد بعد أيام من وفاته، في مقال نشرته صحيفة (المصري اليوم) تحت عنوان (كلمات لن تنصف الدكتور نصر حامد أبو زيد ولن تمحو عارنا أيضاً)، وأحب الآن في ذكرى مرور عشر سنوات على رحيله أن أستعيده معكم، تأملاً في بعض ما تغير في أحوالنا وأفكارنا في هذا العقد المرير الدامي، وتحية لهذا الرجل العظيم الذي لم يأخذ حتى الآن حقه من الإنصاف.

كتبت يومها أقول: 
"بالله عليكم، كم كان سيكسب الدكتور نصر حامد أبو زيد من المال والشهرة والنفوذ والانتشار ومحبة الجماهير ورغد العيش لو قرر أن يصبح واعظاً من وعاظ الفضائيات، يحدث الناس عن أهمية الرضا بالمقسوم ووجوب طاعة الزوجة لزوجها عندما يدعوها إلى الفراش، وضرورة طاعة الزوج والزوجة وكل أفراد الأسرة للحاكم طالما كان حراً منوفياً؟

كان الدكتور نصر رحمه الله من كوادر الإخوان في مدينة المحلة الكبرى، كما يحكي لنا الدكتور جابر عصفور في كتابه الجميل "زمن جميل مضى"، لكنه على مايبدو لم يرغب في إلغاء عقله ورغبته في التفكير، ليلتزم بالسمع والطاعة في المنشط والمكره، بل قرر أن يسلك طريق العلم، ظناً منه أنه سيوصله إلى الحقيقة، لكن طريق العلم في بلادنا "المباركة" أوصله لأن يكون العالم المصري الوحيد الذي يصدر حكم قضائي بتفريقه عن زوجته عقاباً له على أنه أدى وظيفته التي وافقت الدولة على أن يتقاضى منها مرتباً شهرياً مقابل أدائها: البحث العلمي، وهو ما لم يكن سيحدث له لو شغل نفسه بالتفكير في طريقة للإثراء من بيع الملازم والمذكرات لطلبته، أو كتابة التقارير الأمنية في زملائه وتدبيج المقالات في نفاق الحكام والأزلام، لكي ينال منصباً جامعياً ويصبح من أهل الحظوة.

عندما تعرض الدكتور نصر حامد أبو زيد لمحنة تكفيره والحكم بتفريقه عن زوجته الدكتورة إبتهال يونس، خرج بعض الحمقى باقتراح يطالب الدكتور نصر بأن يقف في مؤتمر صحفي وينطق بالشهادتين ويرفع إلتماساً إلى رئيس الجمهورية لكي يوقف تنفيذ الحكم القضائي الذي جَلّلنا بعار لم نواجه أنفسنا به حتى الآن، ولا أظننا سنواجه أنفسنا به أبدا، فنحن خبراء في التعايش مع العار، نعم إنه عار، وأيُّ عار، عار أننا ذبحنا إنساناً لأنه قال آراء تختلف مع ما نعتقده، ففرقناه عن زوجته وكفرناه وجعلناه يترك وطنه ويعيش غريباً عنه حتى مات.

لست أدري كيف يجرؤ الكثيرون منا على أن يتصوروا أنهم يمكن أن ينازعوا الله حقه في محاسبة البشر والحكم على نواياهم

 

يومها رفض الدكتور نصر ذلك الإقتراح المهين، وقرر أن يهاجر إلى جامعة ليدن بهولندا لكي لا يفترق عن شريكة حياته، ولكي يواصل ممارسة حقه الذي كفله الله له في البحث والشك والتفكير والتأمل، لم يعد سراً الآن أن الدكتور نصر في محاضرته الهولندية الأولى التي شهدت حضورا مكثفا بفعل التغطية الإعلامية الواسعة لقضيته، بدأ كلامه بالنطق بالشهادتين، قائلا في كلمة تاريخية أنه رفض أن ينطق بها في بلاده، لأنه يرفض أن يشكك أحد في إيمانه، لكنه في نفس الوقت يريد أن يعلن للجميع أنه لم يأت إلى الغرب كمرتد عن الإسلام، بل كباحث يعتز بدينه وبثقافته الإسلامية وحرص على التأكيد على معنى مهم جداً هو أنه لا يشعر بالإنسحاق أمام الحضارة الغربية، وبرغم أن بعض الصحف المصرية نشرت ما قام به نصر أبو زيد يومها، إلا أن أحدا من مسئولي بلادنا لم يتوقف عند ما حدث لكي يأمر وسائل الإعلام الحكومية بتغطية ماحدث، تمهيداً لإصدار قرار رسمي بوقف الجريمة التي ارتكبت في حقه، وهو ما كان يمكن  تحققه بصدور قرار رئاسي ينتصر للرجل المظلوم، لم يحدث ذلك برغم مطالبة الكثيرين به. بعض كتبة الحكومة تشدق وقتها قائلا بأن الرئيس مبارك لا يتدخل في أحكام القضاء، كأن الناس في مصر لا يعرفون إلى أي مدى تحترم الدولة أحكام القضاء، وكيف تطبقها على مزاجها، ولا تعدم فرصة للتحايل عليها أو إفراغها من مضمونها.

وحتى عندما سنحت فرصة لرد الظلم عن الرجل، قرر وزير الثقافة بعدها بسنين، خلال سعيه المحموم للوصول إلى رئاسة اليونسكو أن يمنح جائزة الدولة التقديرية لسيد القمني، مغازلة للغرب وإظهاراً لوقوفه ضد "التيار الديني"، ولم يفعل الوزير التنويري ماكان ينبغي أن يفعله ويرد للدكتور نصر حامد أبو زيد اعتباره، ولو حتى لأسباب عملية براجماتية. يومها كتبت في هذه الصحيفة أقول بالنص: "ألم يكن من الأولى أن يتم منح الجائزة لعالم محترم مثل الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي مهما اختلفت مع آرائه لا يمكن أن تتهمه بإزدراء الأديان أو الإستعراضية أو الغوغائية أو السعي إلى الشهرة، ألم يكن هذا التكريم سيرد الإعتبار لهذا الرجل الذي أُبعِد عن وطنه لكي لا يفرقوا بينه وبين زوجته، مع أنه لم يفعل شيئا خارج إطار مهنته كباحث جامعي من واجبه أن يخطئ ويجرب ويجمح ويشطح ويدافع عن أفكاره ويتراجع عنها لو اقتنع، خاصة أنه لم يتخذ من أفكاره وسيلة للشهرة أو الحصول على مكاسب مادية، ولو لم يكن قد تعرض للمثول أمام محاكم التفتيش في أفكاره ونواياه لكان قد استمر في جامعته وبلده حتى آخر عمره".

فاجأني بعدها بأيام "إيميل" أرسله إليّ الدكتور نصر من منفاه يكشف كم كان الرجل مشغولا بوطنه وكل مايدور فيه من أحداث، برغم كل ماناله من ظلم وإنتهاك لأبسط حقوقه الآدمية، قال الدكتور نصر في إيميله: "تحية طيبة وتقديرا لمقالاتك التي أتابعها قدر المستطاع من خلال موقع المصري اليوم، وأحيي بصفة خاصة مقالتك عن جائزة الدولة التقديرية، لا لما أضفيته على شخصي من مديح، وعلى عملي من تقدير فحسب، بل أهم من ذلك هو تقديرك الذي أشاركك فيه بعقلي وقلبي لإنجازات أستاذنا الدكتور حسن حنفي. مقالتك أنصفت الرجل الذي شاءت الظروف السيئة أن تضعه على قدم المساواة مع من لا يدانيه علما وعطاء وإنجازا. المأساة يا أخي العزيز هي مأساة "الفساد" الذي طال العقل ونخر في القيم والمعايير الثقافية والعلمية. هل يعقل أن تحجب الجائزة عن أسماء مثل "أحمد ابو زيد" و"فؤاد زكريا" في دورة هذا العام، وإنجازات الرجلين أعلى من أي تقدير وأثرهما في الأجيال التالية - وأفخر بانني واحد من تلاميذهما كما أنني تلميذ لحسن حنفي - أوضح من أن يُنكَر؟  ليس معنى هذا، التقليل من شأن أحد، ولا الموافقة على إشعال النيران ـ نيران التكفير الذي يفضي إلى القتل المعنوي والجسدي - بل من واجب الجميع التصدي لهذا الخطر الذي استفحل حتى صار يهدد الوجود الإنساني في مجتمعاتنا. نصر حامد أبو زيد".

أسعدتني رسالة الدكتور نصر، خاصة أنني كنت أتعرض وقتها لحملة شرسة من بعض أنصار ليبرالية الأستك الذين إتهموني بالتطرف ومساندة الإرهاب بسبب ماكتبته، وأرسلت إلى الدكتور نصر رسالة أعبر فيها عن تقديري الدائم له برغم اختلافي معه، وهو ما كان قد دفعني أنا وعدد من زملائي بجريدة الدستور في عام 1995 للدفاع عنه بقوة ضد ماتعرض له من إرهاب وظلم، وهو دفاع لم يكن مجدياً للأسف في وقف الظلم الذي تعرض له، وأعربت له عن تقديري لموقفه الرجولي الذي اتخذه  أيام العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006، وإعلانه مساندته للمقاومة الإسلامية في لبنان، برغم أنه كان يمكن أن يتخذ مواقف مائعة كما فعل الكثير من المثقفين العرب، أو حتى كان يمكن أن يصمت حفاظاً على مكاسبه في الغرب الذي إحتضنه عندما نبذته بلاده، أذكر له هنا حواراً رائعاً عن هذا الموقف مع صحيفة أخبار الأدب أنصح بقراءته على شبكة الإنترنت لكل من يرغب في التعرف على فكر هذا الرجل ومواقفه.

قلت في إيميلي له: "عزيزي الأستاذ الكبير الدكتور نصر حامد أبو زيد. تشرفت وتشرف بريدي الألكتروني بهذه الرسالة، ولعلك لا تتصور مدى تقديري لك وإعجابي بصمودك الإنساني الرفيع، وبقدرتك على بلورة مواقف محترمة، وافخر أنني كنت واحدا من الذين وقفوا معك في معركتك، كما أنني أفخر بأنني كنت واحدا من الذين أداروا حوارا عقليا مع كتبك، وتأملوا بإعجاب أسلوبك البديع في الكتابة ولغتك المتميزة وأفكارك الثاقبة، أذكر هنا موقفك الرائع في مساندة حزب الله أيام العدوان على لبنان وكيف أثار دهشة بعض المثقفين البلهاء الذين تعودوا على تعليب الناس ووضعهم في أدراج مثلما تفعل أجهزة أمن الدولة، وهؤلاء هم الذين يتصورون أن ما أكتبه عن سيد القمني فيه دعم للتطرف، بينما نالني من التكفير جانب عندما كتبت أطالب بتكريمك. للأسف بعض مثقفينا أصابهم ما أصاب غالبية الناس من تطرف، وهو غياب التفكير والقدرة على التفريق بين الأشياء وعدم وضع البيض الطازة مع الممشِّش والمضروب. للأسف إطفاء النيران لن يكون بان نبتعد عن الناس، بل بأن نتحاور معهم ونحترمهم، وندع البحث العلمي في مجاله وميدانه ولناسه، كما يحدث في العالم كله، وهذا ما أحترمه فيك، أنك قمت بواجبك في البحث العلمي، دون أن تطلب شهرة أو وجاهة أو مجدا زائفا. مصر تفخر بك يادكتور، وأنا أقدرك وأحبك وأتضامن معك دائما، وستعود إلى بلدك معززا مكرما بإذن الله. وشكرا على تشريفك لي بهذه الرسالة التي سأحتفظ بها في مكان خاص من وجداني، أسعد الله أوقاتك".

بعد أيام أرسل إليّ الدكتور نصر إيميلاً دافئاً قال فيه: " الأخ الكريم بلال. معذرة لهذا التأخر في الرد على رسالتك التي أعتز بها أيما اعتزاز؛ فقد فعلها الكومبيوتر من كثرة الضغط - ضغط العمل ـ وحرن مثل الحصاوي إلا أن يزور المختص فيصلح ما به من خلل. لم تحدث خسائر في عملية الإصلاح تلك لحسن الحظ. كم أثلج صدري أن تذكر رد الفعل اللا عقلاني على الوقوف بجانب المقاومة بصرف النظر عن الظروف التاريخية التي جعلت المقاومة حكرا على رافعي شعارات "الإسلام" كأيديولوجية. هذا التأييد للمقاومة سياسيا لا يعني الكف عن نقد إيديولوجيا التفسير الديني للعالم، حيث تلتقي الإيديولوجيا الإسلاموية مع الصهيونية في هذا المنحي للأسف الشديد. وقد تعرضت بالنقد لخطاب حماس ممثلا في خطب "هنية" - وهو خطيب يمارس السياسة بمنطق الوعظ خلافا للسيد حسن نصر الله الذي يميز بين مجال الخطاب الديني ومجال الخطاب السياسي - فكان ردهم اتهام للعبد لله بممالأة الصهيونية. من الناحية الأخري يهاجمك الليبراليون العقلانيون بسبب تأييد المقاومة، لأنهم بالمثل لا يميزون بين الخلاف الفكري والدفاع عن الوطن. إنها يا صاحبي الليبرالية العرجاء والعقلانية العوراء التي ترى الأشياء بعين واحدة. أترى كم أثلجت رسالتك صدري. مع كل التقدير والإحترام. نصر حامد أبو زيد". 
هكذا كان يفكر الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي انقضت عليه بمنتهى الخسّة مطاوي المتطرفين لتشمت في مرضه الذي زعموا أنه غامض ثم في موته، وتلك ظاهرة رأيناها في العديد من المواقع الألكترونية التي تسمي نفسها بالمواقع الإسلامية، رأينا تلك الشماتة وإنعدام الإنسانية عند رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش وبعدها عند رحيل عمنا عميد الأدب التلفزيوني أسامة أنور عكاشة، وهو ما يكشف لنا إلى أي مدى أصبح التدين المظهري مجرد غطاء يخفي تحته ماوصلنا إليه من تردي أخلاقي وإنحطاط ثقافي يجعل الكثيرين يسارعون في تكفير شخص لم يقرأوا له حرفا، ولا يعرفون أين أخطأ ولا فيم أصاب، ولا يدركون أن إحراق الكتب وإرهاب الكتاب وتفريقهم عن زوجاتهم وإهدار دمائهم لا يمكن أن يمحو فكرهم من الوجود، بل هو يكتب لهم ولأفكارهم ولكتبهم الخلود، حتى وإن كان بعض هذه الأفكار لا يستحق الخلود.

لم يكن الدكتور نصر حامد أبو زيد معصوماً عن الخطأ العلمي، لم يدع هو ذلك أبداً، ولم يدّعه أحد من الذين عارضوا ما حدث له، وللأسف كفّره الكثيرون دون أن يقرأوا له، وناقش البعض أفكاره بشكل علمي ومنهجي وحاد أحياناً، واكتشفوا أخطاء علمية في كتبه، ورد هو على البعض وتجاهل البعض الآخر. في واحد من أهم حواراته على الإطلاق، أجراه مع الشاعر اللبناني ناظم السيد في صحيفة القدس العربي اللندنية يحكي نصر أبو زيد بمرارة أن مشكلته الرئيسية كانت في عدم قراءة مكفريه لكتبه وإعتمادهم فقط على ماكتبه عنه الدكتور عبد الصبور شاهين (الذي شاءت الأقدار أن يتعرض هو ذاته للتكفير بعدها بسنوات بسبب إجتهاده في كتابه أبي آدم)، ليس ذلك فحسب بل إن الكثرين ممن أيدوه وتضامنوا معه لم يقرأ كتبه أيضاً.

لم يكن الدكتور نصر حامد أبو زيد معصوماً عن الخطأ العلمي، لم يدع هو ذلك أبداً، ولم يدّعه أحد من الذين عارضوا ما حدث له

 

يحكي في الحوار أن مثقفا كبيرا قابله وكلمه بإحتفاء عن كتابه، واكتشف نصر من كلام المثقف أنه لم يقرأ سوى مقدمة الكتاب، بل إن المثقف إياه قال له "مش كنت بالمرة تقول إن القرآن ده من تأليف محمد"، فاحتد نصر أبو زيد عليه وقال له: "أولا أنا لم أقل شيئا مما تنسبه إلي وإذا كنت ترغب في أن تقول أن القرآن من تأليف محمد لماذا لا تكتب بنفسك كتابا تقول فيه هذا الكلام". والحقيقة أن هذه كانت مشكلة نصر حامد أبو زيد، أنه حاول أن يفكر في بلاد لا تقرأ، وبالتالي فهو كان مضطرا أن يدافع عن نفسه ضد من لم يقرأوه، ويتقبل تضامن أناس لم يقرأه الكثيرون منهم أيضا.

كان الكثيرون يعتمدون في إصدار أحكام بشأنه على حواراته الصحفية، برغم أنه كان لا يكف في كل حواراته عن التأكيد على أن القضايا التي يبحثها هي قضايا أكاديمية معقدة تحتاج إلى قراءة من المتخصصين، ولا يصح أن يتم وضعها أمام غير المتخصصين الذين لن يفهموا أبدا طبيعة المصطلحات الأكاديمية التي يطلقها، وسيطلبون منه دائما تبني مصطلحات شرعية لا تخصه كباحث علمي بل تخص علماء الشريعة، من هنا جاء اجتزاء عبارات من كتب الرجل وإطلاقها بين الناس لكي تلتصق به تهمة الكفر، منها قوله أن القرآن "منتج ثقافي"، والذي تُصدم لأول وهلة عندما تسمعه نقلا عن الذين كفروا الرجل، لكنك لو قرأت شرحه وتفسيره لهذه الجملة ستعرف أن الرجل ظُلِم ظلما بينا، لأنه كان يستخدم تعبيرا علميا في وصف تفاعل النص القرآني مع المجتمع الذي نزل فيه، وكيف كان حواره مع هذا المجتمع حوارا جدليا، وهو مصطلح يؤكد الدكتور نصر أنه مصطلح علمي لا يصح أن تنتزعه من سياقه لتقوله لغير المتخصصين الذين يمكن أن يتصوروا أنه ينكر إلهية القرآن، بالطبع لا يتسع المقام هنا لشرح هذه النقطة بشكل تفصيلي، لذلك إذا لم تتوفر كتب الدكتور نصر بين يديك، أنصحك بقراءة حواره مع صحيفة القدس العربي الذي ستجده في موقعها الألكتروني، وهو واحد من أفضل الحوارات التي عرض فيها نصر حامد أبو زيد أفكاره بصراحة وهدوء، وهي أفكار قد تختلف مع بعضها عندما تقرأ لعدد من الباحثين الذين ناقشوا أخطاءه بشكل علمي، لكنك ستدرك إلى أي مدى تعرض صاحبها للظلم عندما تم وصفه بالكفر والإلحاد.

لم يكن الدكتور نصر يجزع من أي اختلاف معه ولو كان حادا، كان حريصا على أن يكرر دائما وأبدا أنه مجتهد وباحث عن الحقيقة وأنه ينقد تراثه من موقع المحب والراغب في التقدم لا الكاره أو الراغب في الهدم، لكن كل ما قاله لم يلتفت إليه أحد في ظل هوس التكفير، ليتحول نصر حامد أبو زيد إلى عبرة يرغب البعض أن يعتبر بها كل من يرغب في التفكير بحرية، وهؤلاء الذين لم يرحموا نصر أبو زيد في حياته قرروا أن ينازعوا الله عز وجل في حقوقه، فيقولوا إن ماحدث لنصر حامد أبو زيد من ظروف مرضية مريرة هو عقاب من الله، ولست أدري كيف جرؤ هؤلاء على الدخول في علم الله ليدركوا أن ماحدث للدكتور كان عقابا، مع أنه يمكن أن يكون إبتلاء من الله لأي عبد من عبيده يكفر به عن ذنوبه ويدخله به في رحمته.

لست أدري كيف يجرؤ الكثيرون منا على أن يتصوروا أنهم يمكن أن ينازعوا الله حقه في محاسبة البشر والحكم على نواياهم، مع أن الله جعل الفصل بين الناس حقا له وحده يوم القيامة وليس قبله أبدا. والغريب أنك تجد هؤلاء الغلاظ يتخذون هذه المواقف القاسية المتجردة من الإنسانية فقط في مواجهة الكتاب والمفكرين والفنانين، لكنهم لا يتخذونها مثلا في مواجهة أصحاب السلطة من الباطشين والفاسدين والحرامية، كما أنك تجدهم ينفقون الكثير من أوقاتهم في تكفير عباد الله، دون أن يقدموا شيئا ينفع الناس، كما حاول الدكتور نصر حامد أبو زيد أن يفعل.

نصر حامد أبو زيد في ذمة الله الآن، وظننا بالله تعالى أنه رحيم وعادل، لا يحاسب عبيده على التفكير والتأمل والبحث، بل يحاسبهم على الجهل والفساد والظلم والتخلف والخنوع، هذا ظننا بالله، ونحسب أن الدكتور نصر حامد أبو زيد كان يحسن الظن بالله، ولن يخيب الله تعالى ظن من أحسن به أبداً".