كلا... لم نكن "عايشين"

كلا... لم نكن "عايشين"

23 يونيو 2019
الصورة
حول النظام ملايين السوريين إلى نازحين(عمر حج قدور/فرانس برس)
+ الخط -
فشل النظام في بداية الثورة السورية، رغم كل الوسائل التي لجأ إليها، في إقناع شرائح المجتمع المختلفة بأن الثورة ما هي الا مؤامرة كونية الهدف منها تخريب البلد وزعزعة الأمن والاستقرار اللذين تتمتع بهما سورية، وبالتالي على السوريين مواجهة هذه "العملية التخريبية الممنهجة" التي تستهدف الحياة الرغيدة والآمنة التي كانوا ينعمون بها. عمل النظام على تصوير أن من ينفذ الثورة ــ المؤامرة، هم متطرفون يستخدمون الدين لتحقيق أهداف المؤامرة، مستشهداً بخروج التظاهرات من المساجد. إلا أن السوريين الذين كانوا يتوقون للتحرر من الاستبداد والظلم لم يتأثروا بتلك الادعاءات وخرجوا بالملايين في الشوارع مطالبين بحريتهم وببناء دولة مواطنة يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون. لكن بعد تحول الثورة للعسكرة بدأ النظام بالعمل على تفعيل عمل التنظيمات الراديكالية من خلال إطلاق سراح السجناء المتهمين بالإرهاب من سجن صيدنايا والذين شكلوا تنظيمات دينية حاربت النظام مستغلة ظرف الثورة ليتم احتساب تلك المجموعات عليها. وبدأ النظام، بالتوازي مع تشجيع التنظيمات المتطرفة، بالعمل على نشر مفهوم "كنا عايشين" بين السوريين وذلك من خلال الموازنة بين ما كان الوضع عليه قبل الثورة وبين الوضع الحالي لناحية تدهور الاقتصاد والخدمات في مناطقه وتدهور الوضع الأمني وسيطرة الفصائل المتطرفة في مناطق اخرى، محملاً الثورة السورية سبب كل هذا التدهور. ومع طول أمد الثورة وزيادة مآسي السوريين، الذين فقدوا الكثير من أبنائهم وممتلكاتهم خلال هذه السنوات وتهجير الملايين منهم، وتضاعف أعباء الحياة على من بقي في سورية، وتزامن كل هذه المتغيرات مع عدم قدرة الثورة على تحقيق أهدافها بشكل ملموس، بدأ بعض السوريين يستجيبون لتلك الدعاية وبدأت تسمع عبارات الحنين لفترة ما قبل الثورة مستخدمين نفس اللازمة "كنا عايشين".

طبعا لا يُلام من بدأ بتبني هذه اللازمة بعد تسع سنين من المآسي، لكن ربما من بدأ باعتمادها قد غاب عن ذهنه أن المقارنة غير منطقية أصلاً، وأننا كسوريين لم نكن "عايشين" بقدر ما كنا مستعبدين، وأن من قتل وشرد ملايين السوريين هو النظام نفسه الذي يقنعهم بأنهم كانوا "عايشين" في كنفه قبل الثورة، وأن من أوصل البلاد إلى هذه الحالة من الانهيار هو النظام نفسه الذي رفض أن يستمع لمطالب السوريين بتغييرات تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة والحرية، ففضل أن يحول البلد إلى تلة من الركام على أن يقدم أي تنازلات، ورفع شعار الأسد أو نحرق البلد الذي طبقه حرفياً.

المساهمون