كفى ... فليرحل عباس وعريقات ومن حولهما

14 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
ليس وحده الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، من يراوح مكانه، إذ إننا، نحن من ننتقده، نراوح مكاننا كذلك، وما دام عباس ونظامه يصرّان على عدم مغادرة مربع الرهانات الفاشلة التي أغرقوا القضية الفلسطينية فيها، وما دمنا نتحرّج من المجاهرة بالموقف القاطع نحوهما، فإن الشعب الفلسطيني بأكمله سيبقى يدور في الحلقة المفرغة ذاتها من دون أفق محتمل. وحتى أكون واضحاً، منذ البداية، أدرك تعقيدات السياق الفلسطيني، وأفهم تداخل المعطيات المحلية بالإقليمية والدولية، والعكس صحيح. أيضاً، أقرّ أنه لا يمكن تعليق كل الكوارث التي حلت بالقضية الفلسطينية في العقود الثلاثة الماضية على مشجب عباس، وبعض المحيطين به. وتخصيص الإطار الزمني بالعقود الثلاثة الماضية هنا مقصود لذاته، إذ إنها الفترة التي كان فيها عباس وبعض من حوله، كأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، و"كبير المفاوضين الفلسطينيين"، صائب عريقات، فاعلين أساسيين فلسطينياً. إلا أن أي محاولةٍ لإبراء ذمة هؤلاء من النكبات التي تحل بالفلسطينيين ستكون تزييفاً للحقائق والوقائع والتاريخ والحاضر، ومن ثمَّ، آن الأوان أن نقول، نحن الفلسطينيين، كفى للمغامرات السياسية الطائشة، وأن نرفع البطاقة الحمراء في وجه من جلُّ إنجازاتهم فشل يلحقونه بفشل، وهكذا دواليك، حتى رَكَمَنا الفشل. وعلى الرغم من ذلك كله، ثمَّة من لا يزال ينصحنا أن هذا ليس وقت العتاب، ولا هو وقت النقد، منطقهم في ذلك أن عباس ومن معه في خضم معارك كبرى ضد المؤامرات التي تحاك للشعب الفلسطيني، وبالتالي لا ينبغي تغيير الفرس خلال المعركة! ولكن ماذا تفعل إذا كان الفرس أعرج أو ضعيفاً أو عاجزاً، أتبقى على ظهره في معركة حياة أو موت؟ أي منطق هذا، أو قل لا منطق! 
تلك كانت مقدّمة ضرورية لتأطير موضوع هذا المقال. وبدون مواربة، أقول إن خطاب عباس 
أمام مجلس الأمن الدولي، يوم الثلاثاء الماضي، الذي أعلن فيه رفضه "صفقة القرن"، لم يكن مخيباً للآمال فحسب، تلك لغة ديبلوماسية ما عادت تجدي، بل كان خطاباً مخزياً بكل المقاييس. إنه يصر على وضع كل البيض الفلسطيني في سلة مثقوبة، هي مجلس الأمن و"الرباعية الدولية". مثقوبة، لأن عباس يعلم أن مجلس الأمن لن يصدر بيان إدانة ضد "الصفقة" الأميركية ما دام الفيتو حاضراً. وهو يدرك أن "الرباعية الدولية"، المشكلة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والتي يستجديها عباس، اليوم، بالإشراف على المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، هي "أحادية دولية"، أميركية عملياً. كان عباس متواطئاً رئيسياً في وضع كل البيض الفلسطيني في السلة الأميركية منذ عام 1991، واستبعاد الأمم المتحدة، واليوم يطالب بتغيير المسار الذي قادنا إلى الخطايا التي ترتبت عليه، من دون حتى الاعتذار للشعب الفلسطيني، ولو ذوقاً، على الرعونة والخفّة السياسية اللتين مارسهما في الثلاثين عاماً الماضية. كاتب هذه المقالة فلسطيني، ويكتب كفلسطيني، وليس ككاتب، ولا كناشط سياسي لفلسطين في أميركا، ولن يلقي بالاً للنصائح المطالبة بالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس لناحية رفض عباس "صفقة" دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وكأنه يَتَفَضَّلُ علينا أن رفضها.
أيعقل أن هذا الرجل بعد عقود من الانخراط في "مسيرة التسوية" لا يزال يؤمن أن في إسرائيل من يريد السلام؟ ألم يتعلم من مفاوضاته بعد مع الإسرائيليين أن ثمَّة قضايا عليها إجماع إسرائيلي، ولا يوجد في ذلك خلاف بين يمين ووسط ويسار، اللهم إلا في الصياغات والديباجات؟ لقد فاوض عباس عقودا حكومات إسرائيلية من كل الخلفيات الإيديولوجية، فماذا أعطوه؟ حتى مفاوضاته مع "حمامة السلام" الإسرائيلي، يوسي بيلين، الزعيم الأسبق لحزب ميرتس اليساري، أنجبت لنا جنيناً مشوهاً اسمه: "وثيقة بيلين - عباس" عام 1995. في تلك الوثيقة، تنازل عباس عن حق عودة اللاجئين، وقبل بفكرة حل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا)، ولم يعترض على مبدأ التوطين للاجئين خارج فلسطين. وفي تلك الوثيقة، قبل عباس ببقاء المستوطنات الإسرائيلية الكبرى في الضفة الغربية. وفي تلك الوثيقة تبقى القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وتكون القدس الفلسطينية في أبو ديس والعيزرية، وتبقى الأماكن المقدسة تحت السيادة الإسرائيلية، مع ضمان الحقوق الدينية للمسلمين والمسيحيين. وفي تلك الوثيقة، تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح.. إلخ. لذلك لم يخطئ من قال إن كثيراً من مفاهيم تلك الوثيقة تمَّ تضمينها في "صفقة القرن" التي أعلنها ترامب أخيرا، وفي هذا تفاصيل كثيرة.
الشاهد هنا أمران. الأول، أن ما سبق كان أكثر ما نجح عباس في تحصيله من "حمامة سلام" إسرائيلي. والثاني، وهو الأهم، أنه لا رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، إسحاق رابين، قبل 
بمناقشة تلك الوثيقة، ولا حتى خلفه، أيضاً، الراحل، شيمون بيريز، حيث اعتبرا أنها حملت "تنازلات" إسرائيلية كبيرة! المفارقة، أننا اكتشفنا أن رابين لا يزال يعيش في شغاف قلب عباس، إذ ترحم عليه في خطابه أمام مجلس الأمن، متناسياً جرائمه في حق الشعب الفلسطيني في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته من خلال عضويته في عصابات الهاغاناه الصهيونية، وكذلك دوره في التطهير العرقي وطرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم بعد نكبة عام 1948. ثمَّ إن رابين هذا كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في نكسة عام 1967، عندما احتلت الضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة، كما أنه صاحب سياسة تكسير عظام الأطفال الفلسطينيين خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1988-1993).
كل ما سبق أهمله عباس، لماذا؟ لأنه يعتبر رابين شريكاً في صنع السلام من خلال اتفاقية أوسلو الموقعة في واشنطن عام 1993، والتي عدّها عباس في خطابه أمام مجلس الأمن نموذجاً لإمكانية تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين! والكل يعلم أنها جذر أساسي في الكوارث التي حلت بالشعب الفلسطيني، إذ إنها أوجدت سلطة فلسطينية، بصلاحيات بلدية محدودة، ترفع عن كاهل الاحتلال كلف إعاشة السكان الفلسطينيين، في حين تبقي على سيادته على الأرض. أما الدور الأهم الذي أنيط بها فهو الدور الأمني، حيث لا زالت تؤدي المهمات القذرة نيابة عن الاحتلال، ومعاند فقط من ينكر هذا الدور الأساس في نشأة السلطة وكينونتها. وكلنا سمع عباس وهو يكرر مرات في خطابه أمام مجلس الأمن التزام السلطة بـ"محاربة الإرهاب" ورفضها "العنف"، مهما كان مصدره وأسبابه. وهو سبق وأن أعلن عشرات المرات أنه سيقطع التنسيق الأمني مع إسرائيل، ولم يفعل، ولن يفعل.
وبصراحة، لا أفهم لماذا يعارض عباس "صفقة" ترامب - نتنياهو، فحتى "أوسلو"، التي يترحم عليها وعلى شريكه الإسرائيلي فيها، كانت اتفاقاً انتقالياً في أفق الوصول إلى الدولة الفلسطينية الموعودة بعد خمس سنوات، و"الصفقة" اليوم تعرض عليه أربع سنوات انتقالية. و"أوسلو" رحّلت القضايا المركزية، كالقدس والمستوطنين واللاجئين والحدود والأرض، إلى مفاوضات الحل النهائي، وكل ما فعلته "الصفقة" اليوم أنها بنت على الحقائق الجديدة التي عملت إسرائيل على خلقها منذ "المرحوم" رابين على الأرض وَشَرَّعَتْها!
أما ثالثة الأثافي، فكان المؤتمر الصحافي الذي عقده عباس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود أولمرت، بعد خطابه أمام مجلس الأمن. للتذكرة فقط، أولمرت هذا هو الذي شنَّ عدواناً دموياً وحشياً على قطاع غزة أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009. تكلم عباس بأسىً عن "المفاوضات الواعدة" التي أجراها مع أولمرت، ولكنه لم يشرح لماذا لم تثمر تلك المفاوضات عن شيء، وقد كانا "قريبين من الوصول إلى حل"، كما قال. عباس يتناسى متعمداً هنا أن مؤتمر أنابوليس الذي دعت إليه إدارة جورج بوش الابن عام 2007 وحضره هو وأولمرت فشل لأن إسرائيل رفضت تجميد بناء الاستيطان في الضفة الغربية وشرقي القدس. وهو يعلم أن التنازلات السخية، أو قل المخزية، التي عرضها فريقه التفاوضي على حكومة أولمرت فيما يتعلق باللاجئين والقدس لم تقبل بها تلك الحكومة. هذه حقائق كشفتها "وثائق الجزيرة" عام 2010، المسرّبة من مكتب صائب عريقات نفسه، ولم تشكّك السلطة في موثوقيتها، وفيها، مثلاً، يعرض عريقات على وزيرة الخارجية الإسرائيلية حينئذ، تسيفي ليفني، بحضور وزيرة الخارجية الأميركية حينها، كوندوليزا رايس، "أكبر أورشليم قامت عبر التاريخ". المخجل، أن كلتيهما رفضتا العرض واستهزأتا به.
عودة إلى ما بدأت به المقالة، لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يغادر مربع المراوحة، ما دام عباس ومن حوله مستمرّين في ممارسة سياسة "الباب الدوار". إنهم لا يخرجون أبداً من وَهْمِ المسار 
الذي وضعوا القضية الفلسطينية فيه، إذ يبقون يعودون إليه. إنهم لا يرون إلا المفاوضات حلاً ضمن النسقية السلوكية الفلسطينية الرسمية نفسها، ربما من باب "فداوها بالتي كانت هي الداء". نعم، أشعر بالخزي كفلسطيني، والرئيس المفترض لشعبي، وفي خطاب أمام العالم، يُعَرِّفُني من خلال عدسات "الإرهاب"، فنحن نستحق دولةً لأننا نحارب الإرهاب محلياً وإقليمياً ودولياً! أليس من العار أن الشعب الفلسطيني، وهو من أكثر الشعوب تعلماً، لا تزال تحكمه الوجوه التي أوردته مهاوي الردى على مدار عقود طويلة؟
لقد بلغ عباس 84 عاماً، ونسأل الله له الصحة والعافية وطول العمر، وعريقات، رعاه الله هو الآخر، قال في مرضه أخيرا إنه رأى يوم القيامة في غيبوبته. تقاعدا ومن معكما، وَأفْسِحا الطريق لغيركما، ففي شعبنا طاقات تفوقكم جاهزة أن تبدع لو تنحيتم. اتركونا نجدّد كفاحنا ونضالنا من أجل قضيتنا؟ دعونا نعيد النظر في خياراتنا وإمكاناتنا. هذه معركة أجيال، وجيلكم تعدّى، بل وسطا، على حقوق ثلاثة أجيال فلسطينية على الأقل، إذا اعتبرنا أن الجيل يحسب بثلاث وعشرين سنة. انزووا بعيداً، أم هل ننتظر حتى تحيدكم إسرائيل، لا قدر الله، كما حيدت ياسر عرفات رحمه الله؟ ألا يكفينا خزياً أن يصف صبي تافه مثل جاريد كوشنر عريقات بأنه فاشل، لأنه يفاوض منذ خمس وعشرين سنة من دون إنجازات؟ أعلم أن كوشنر انتقد عريقات لأنه ليس مستعداً للمساومة على حقوق شعبه أكثر مما فعل، أو هكذا يبدو لنا. تقييم كوشنر لناحية الفشل صحيح، ولكن لأسباب خاطئة. عريقات فاشل مهنياً لأنه ساهم وعباس في إيصالنا إلى ما نحن فيه. المصيبة أنه لا هو ولا عباس يريدان الاعتراف بأنهما فاشلان. كفى، ارحلا، ومن معكما، عن التحكم بمصائرنا.