كفرناحوم... صورة من واقع المأساة

12 يوليو 2020

كفرناحوم قرية فلسطينية كنعانية تاريخية، ذات دلالات ومعالم دينية، وأُنتِجَ فيلم حمل اسمها، وحصد شهرة واسعة جدًا؛ حيث ترشح لأكثر من جائزة عالمية، ومن أهمها الأوسكار، وهو فيلم كفرناحوم للمخرجة اللبنانية نادين لبكي، وكنتُ قد تابعتُ أخباره، سواء المكتوبة أو المرئية، مع تنوّع الآراء والتقييمات التي تحدّثت عنه، وأعترفُ بأني تأخرتُ كثيرًا بمشاهدته، فهو من الأفلام التي تستحق المشاهدة؛ لأنه اختزل في طياته قضايا لا يمكن إزالتها من تاريخ الإنسانية.

اعتمدت مخرجة الفيلم على أسلوب التصوير الواقعي والاسترجاع (Flash Back)، والذي يبدأ من الحدث الأخير المفترض أن ينتهي فيه، ثم تتابع الأحداث بأفكارها ومحتوياتها وشخوصها، فيشعر المشاهد بأنه يرى كل شيءٍ أمامه بشكل مباشر بعيدًا عن أي تمثيل، لتدمع العيون في اللحظات المحزنة، ومن هنا نجح الفيلم ببناء خطٍ درامي واضح يتحدث عن عددٍ من الإشكاليات ضمن قالب واحد، كاللجوء، والفقر، والعمالة غير القانونية، وزواج القاصرات، وكثرة الإنجاب، وتجارة المخدرات، والتجارة بالبشر، وغيرها.

تدور أحداث قصة فيلم كفرناحوم حول صبي اسمه (زين) يعيشُ في مخيمٍ للاجئين السوريين في لبنان، وترغمه الظروف تحت وطأة ومرارة اللجوء إلى خوضِ معركةٍ مع الحياة، وفقدان الطفولة؛ لتنتهي قصته في السجن بعد ارتكابه جريمة طعن. يكون المشهد الأوّل من الفيلم في قاعة المحكمة التي يقف فيها زين بجوار محامية توكلت عن قضية رفعها ضد أمه وأبيه، اللذان يقفان في الطرف المقابل، عائلة زين كثيرة الإنجاب، ومع أعباء الحياة وتراكماتها، يرغمون على العمل ببيع المشروبات الباردة، والمواد المخدرة بالخفاء، مع عمل زين في دكان صاحبه ينوي الزواج من أخته القاصر (سحر) التي لم يتجاوز عمرها أحد عشر عامًا.

يهرب زين من منزل عائلته، ويتعرف على عاملة أثيوبية تعمل في مدينة ملاهٍ، وكانت قد هربت من منزل مخدوميها، بعد حملها وإنجابها لطفل اسمه (يوناس) أخفته خوفًا من تسفيرها إلى بلدها، وبعد انتهاء مدة صلاحية إقامتها، تتعرف على شخص لاستخراج وثائق جديدة لها، ويخيرها بين دفع الكثير من المال، أو أن تسلمه يوناس؛ حتّى يرسله إلى عائلة تهتم به، وترفض ذلك، وتُعتقل، فيصبح الطفل برعاية زين، ويرغم في النهاية على أن يتخلى عنه، ويتخذ قرارًا بالهجرة إلى بلدٍ أوروبي، ويحتاجُ أوراقه الثبوتية من أجل السفر، فيعود إلى منزل والديه بحثًا عن هذه الأوراق، ويكتشف أثناء ذلك أن أخته سحر توفيت، فيذهب راكضًا إلى زوجها، ليطعنه ويحبس في السجن مدّة خمس سنوات.

تدور أحداث قصة فيلم كفرناحوم حول صبي اسمه (زين) يعيشُ في مخيمٍ للاجئين السوريين في لبنان، وترغمه الظروف تحت وطأة ومرارة اللجوء إلى خوضِ معركةٍ مع الحياة

اعتمد بناء فيلم كفرناحوم على عددٍ من الأبعاد، وسوف أشير إلى أهم ثلاثة منها برأيي، وهي: البُعد الأوّل الظاهر في مشهد المحكمة، وتوجيه القاضي سؤالًا إلى زين عن سبب رفعه دعوى قضائية ضد والديه، ويجيبه ببساطة: "لأنهم خلّفوني". فيريد معاقبتهما لإنجابه، واستمرارهما بالإنجاب رغمًا عن الظروف التي تعانيها العائلة، وعدم وجود أوراق ثبوتية لأفرادها، أمّا البُعد الثاني يتلخص بقضية زواج القاصرات التي تم تسليط الضوء عليها بشخصية سحر، وإرغامها على الزواج من صاحب الدكان، والبُعد الثالث يتمثّل في التجارة بالبشر؛ من خلال قصة العاملة الأثيوبية وابنها، والتي تظهر جانبًا من النظرة الاجتماعية نحو المهشمين من الفقراء، واستغلالهم بجميع الطرق الممكنة، دون رحمة أو شفقة بحالهم وحاجاتهم.

اجتمعت مجموعة عوامل شاركت في نجاح فيلم كفرناحوم، ومن أهمها الاعتماد على الواقعية في التصوير، والاحترافية في الإخراج؛ إذ إن الكاميرا لم تجمّل الأحداث أو تقدّمها بأسلوب منمق، بل عرضت الأحياء العشوائية بكل تفاصيلها، وطبيعتها، وطريقة العيش فيها دون تزييف أو تغيير، وأيضًا يعدّ الأداء التمثيلي عاملًا مهمًا من عوامل النجاح، فأتقن الممثلون أدوارهم بتلقائية وعفوية، مع أنهم لم يتدربوا على فنيات التمثيل سابقًا، وفي الحوار استُخدِمَتْ اللهجة العامية المتداولة غير الخالية من بعض الشتائم؛ ليصبح الحوار أكثر قربًا من الواقع، وهكذا نجح الفيلم بنقل الصورة النمطية عمن يعيشون في بيئة مختلطة من الفقر والجهل، وتأطيرها في ساعتين من العرض المتواصل.

سوف يظل فيلم كفرناحوم من أنجح التجارب السينمائية غير التقليدية في القرن الواحد والعشرين، ولكنه قد أغفل تقديم حلول واضحة ومعالجات وافية للإشكاليات التي طرحها، وترك الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام النّاس لاختيار أنسب حل لكل قضية، ولا يكفي فيلم أو عمل درامي واحد للتكلّم عن الإنسانية، فمن المهم الاستمرار في إنتاج أعمال من نوعية كفرناحوم؛ لأنها تخلد جانبًا من الواقع بكل تناقضاته، وترسمه في لوحة خالية من أي جماليات مزيفة أو قوالب جاهزة؛ لتنقل صورة من واقع المأساة.

دلالات