21 يناير 2026
كعك بالشوكولاتة في غزة
نطق ابني بسؤاله في توقيت مناسب: أَلا ترين أننا محاصرون في غزة من العرب واليهود؟ كنا نقف على ناصية شارع رئيسي، في انتظار سيارة أجرة، لتحملنا إلى المنزل، بعد أن قضينا النهار نزور والدي في منزله. طال انتظارنا كثيراً، وبدأنا نشعر بآلام في أقدامنا من الوقوف طويلاً، فتوسط ابني الأكبر الطريق الرئيسي، ولوّح بيديه لكل سيارة قادمة من بعيد، على أمل أن تتوقف ونستقلها، ثم يتضح أنها سيارات خاصة، أو شاحنات نقل.
ازدادت وطأة أزمة المواصلات في غزة، بعد إغلاق الأنفاق مع مصر، وكانت تحت الأرض مثل شريان حياةٍ خفيٍّ، يمد غزة ببعض الحياة. كان يتم منها تهريب ما تمنعه إسرائيل عن القطاع من مواد أساسية، وخصوصاً المحروقات، مثل البنزين والسولار. لكن، ازدادت، بعد قطع هذا الشريان، معاناتنا أكثر، ولا سيما في المواصلات العامة، إلى درجة أن سائقي سيارات الأجرة صاروا يستخدمون زيت الطهي بدلاً عن البنزين والسولار. ويتهكم هؤلاء البؤساء على أوضاعنا، حين يحشرون في سياراتهم المتداعية ركاباً يفوق عددهم ضعف المسموح به. وحين تصل السيارة إلى محطتها الأخيرة، يصيح السائق بالركاب: اللي انقلى ينزل. يقصد أن الركاب مثل شرائح البطاطس، أو أقراص الفلافل التي يتم وضعها في زيت التحمير. ضحكت كثيراً، حين تخيلت نفسي، وأنا أنزل من سيارة أجرة، مرة، "قرص فلافل" محمراً ومقلياً. أسرعت في الطريق، لأمازح أبنائي لدى وصولي: الجوعان يضعني في ساندوتش وياكلني....
تعدّت أزمة الوقود ذلك، لتصل إلى عدم مقدرتنا على تشغيل المولدات التي كنا نستخدمها في بيوتنا، في أَوقات انقطاع الكهرباء، بعد تزويدها بالبنزين القادم من مصر. وعدنا نستخدم البطاريات الجافة والشموع في إضاءة ليالينا، وأصبح وصول ابني وابنتي، كل صباح، إلى الجامعة، في موعدهما المحدد، معجزةً تتحقق بفضل دعاءٍ كثيرٍ مني، في الثلث الأخير من الليل، خصوصاً في أيام الامتحانات.
وقفنا طويلاً في انتظار سيارة قادمة، لكن، بلا جدوى، وبدأت ابنتي الصغيرة تشكو الجوع، ثم شكا منه بقية أبنائي، لأننا تناولنا طعام الغداء مبكراً في منزل والدي الحريص على موعد وجباته، فيتناول الغداء بعد صلاته الظهر مباشرة.
مع أذان العشاء، أمضينا أكثر من ساعة ونصف الساعة وقوفاً، وقرصنا البرد. بدأنا نفكر بالعودة إلى منزل والدي، عندما لاحت شاحنةٌ مسرعةً من بعيد، قادمةً من أحد المعابر التي تربط غزة بـ "إسرائيل". كانت محملةً بالبضائع، وفُتح بابها الخلفي، وسقط منه صندوق متوسط الحجم على الرصيف، واستمرت الشاحنة مسرعةً في سيرها، لتفرغ حمولتها في مخزنٍ، قبل حلول الظلام، خشية تعرضها لقصفٍ من طائرةٍ، قد تشك في أمرها، من الطائرات الإسرائيلية التي اعتادت أن تجوب سماء غزة أيضاً. ومع سرعتها الجنونية، غابت الشاحنة عن الأنظار، فأسرع ابني، والتقط الصندوق، وتقدم به نحوي، وكنت قد اتخذت لي مجلساً، على جذع شجرة قديم، محاذاة الشارع، بعد أَن كلّت قدماي من الوقوف.
تفحصت الصندوق، فوجدتُه يحوي قطع كعك محشو بالشوكولاتة، صغيرة ومغلفة. صاح ابني الصغير: يجب أن نسلمه للشرطة، أو لإمام المسجد، فالصندوق يعتبر"لُقَطة"، ويجب أن نسأل عن أصحابه ونعيده إليهم، أو نتصدّق به بعد عام على عدم ظهور أصحابه، حسبما يقتضي الشرع.
لم تستوقف فتوى ابني أحداً منا، وبدأنا، أنا وباقي أبنائي، نأكل الكعك، وابني يصرخ: يا أمي... هذا حرام. رددت عليه، وفمي محشو بالكعك: وهذا اللي بيصير فينا مش حرام؟.
ازدادت وطأة أزمة المواصلات في غزة، بعد إغلاق الأنفاق مع مصر، وكانت تحت الأرض مثل شريان حياةٍ خفيٍّ، يمد غزة ببعض الحياة. كان يتم منها تهريب ما تمنعه إسرائيل عن القطاع من مواد أساسية، وخصوصاً المحروقات، مثل البنزين والسولار. لكن، ازدادت، بعد قطع هذا الشريان، معاناتنا أكثر، ولا سيما في المواصلات العامة، إلى درجة أن سائقي سيارات الأجرة صاروا يستخدمون زيت الطهي بدلاً عن البنزين والسولار. ويتهكم هؤلاء البؤساء على أوضاعنا، حين يحشرون في سياراتهم المتداعية ركاباً يفوق عددهم ضعف المسموح به. وحين تصل السيارة إلى محطتها الأخيرة، يصيح السائق بالركاب: اللي انقلى ينزل. يقصد أن الركاب مثل شرائح البطاطس، أو أقراص الفلافل التي يتم وضعها في زيت التحمير. ضحكت كثيراً، حين تخيلت نفسي، وأنا أنزل من سيارة أجرة، مرة، "قرص فلافل" محمراً ومقلياً. أسرعت في الطريق، لأمازح أبنائي لدى وصولي: الجوعان يضعني في ساندوتش وياكلني....
تعدّت أزمة الوقود ذلك، لتصل إلى عدم مقدرتنا على تشغيل المولدات التي كنا نستخدمها في بيوتنا، في أَوقات انقطاع الكهرباء، بعد تزويدها بالبنزين القادم من مصر. وعدنا نستخدم البطاريات الجافة والشموع في إضاءة ليالينا، وأصبح وصول ابني وابنتي، كل صباح، إلى الجامعة، في موعدهما المحدد، معجزةً تتحقق بفضل دعاءٍ كثيرٍ مني، في الثلث الأخير من الليل، خصوصاً في أيام الامتحانات.
وقفنا طويلاً في انتظار سيارة قادمة، لكن، بلا جدوى، وبدأت ابنتي الصغيرة تشكو الجوع، ثم شكا منه بقية أبنائي، لأننا تناولنا طعام الغداء مبكراً في منزل والدي الحريص على موعد وجباته، فيتناول الغداء بعد صلاته الظهر مباشرة.
مع أذان العشاء، أمضينا أكثر من ساعة ونصف الساعة وقوفاً، وقرصنا البرد. بدأنا نفكر بالعودة إلى منزل والدي، عندما لاحت شاحنةٌ مسرعةً من بعيد، قادمةً من أحد المعابر التي تربط غزة بـ "إسرائيل". كانت محملةً بالبضائع، وفُتح بابها الخلفي، وسقط منه صندوق متوسط الحجم على الرصيف، واستمرت الشاحنة مسرعةً في سيرها، لتفرغ حمولتها في مخزنٍ، قبل حلول الظلام، خشية تعرضها لقصفٍ من طائرةٍ، قد تشك في أمرها، من الطائرات الإسرائيلية التي اعتادت أن تجوب سماء غزة أيضاً. ومع سرعتها الجنونية، غابت الشاحنة عن الأنظار، فأسرع ابني، والتقط الصندوق، وتقدم به نحوي، وكنت قد اتخذت لي مجلساً، على جذع شجرة قديم، محاذاة الشارع، بعد أَن كلّت قدماي من الوقوف.
تفحصت الصندوق، فوجدتُه يحوي قطع كعك محشو بالشوكولاتة، صغيرة ومغلفة. صاح ابني الصغير: يجب أن نسلمه للشرطة، أو لإمام المسجد، فالصندوق يعتبر"لُقَطة"، ويجب أن نسأل عن أصحابه ونعيده إليهم، أو نتصدّق به بعد عام على عدم ظهور أصحابه، حسبما يقتضي الشرع.
لم تستوقف فتوى ابني أحداً منا، وبدأنا، أنا وباقي أبنائي، نأكل الكعك، وابني يصرخ: يا أمي... هذا حرام. رددت عليه، وفمي محشو بالكعك: وهذا اللي بيصير فينا مش حرام؟.