كشف حساب لحكومة الشاهد...إرث اقتصادي ثقيل لسلطات تونس الجديدة

27 أكتوبر 2019
الصورة
الرئيس التونسي قيس سعيد خلال استقباله في قصر قرطاج(الأناضول)

 

تختلف التقييمات بشأن الحصيلة الاقتصادية لحكومة يوسف الشاهد بين من يعتبر أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، وبين من يرى أن حصيلة السنوات الثلاث الماضية كانت الأسوأ خلال السنوات التسع الأخيرة، ما يفسر عودة التونسيين إلى مطالب الثورة وقلب الطاولة على كل الطبقة السياسية التي حكمتهم، بعد أن انقطعت السبل بكل الحالمين بالشغل والعدالة الاجتماعية، ما يضع الحكومة القادمة في مواجهة إرث اقتصادي ثقيل.

ويرى التونسيون في الحكومة القادمة طوق النجاة لهم، لإعادة تصويب المسار وتحسين ظروف عيشهم، في ظل سقف مرتفع من الوعود الذي قدمته الأحزاب الفائزة في الانتخابات البرلمانية، فيما يؤكد خبراء اقتصاد أن صعوبات التونسيين مرجحة للاستمرار لسنوات أخرى نتيجة مخلفات الاتفاقات السابقة مع صندوق النقد الدولي، وعدم التفاؤل بتحقيق نسب نمو تفوق الـ 2 بالمائة في أحسن الحالات.

وأدى الرئيس التونسي المنتخب قيس سعيد، يوم الأربعاء الماضي، اليمين الدستورية في مقر مجلس نواب الشعب بالعاصمة تونس، بينما ينتظر تشكيل حكومة جديدة خلال الفترة المقبلة بناء على نتائج الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد مؤخرا.

ويشكو المواطنون من تراجع مستوى الخدمات العامة في العديد من القطاعات مثل النقل والصحة والتعليم، بعد أن اختارت حكومة الشاهد توجيه أموال تصل إلى 6 مليارات دينار للدفاع والأمن لمواجهة التهديدات الإرهابية، معتبرة الاستثمار في الأمن الأهم في تلك الفترة.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد منصف الشريف، أن حكومة الشاهد دفعت ثمنا سياسيا باهظاً لإصلاحات كان لا بد من تنفيذها، بعد توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي في مايو/ أيار 2016 من قبل حكومة الحبيب الصيد، لافتا إلى أن شبح الإفلاس كان يطل برأسه على تونس قبل إبرام الاتفاق، الذي حصلت بموجبه الدولة على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار.

ويقول الشريف لـ"العربي الجديد" إن التقييمات تختلف بشأن حصيلة حكومة الشاهد، لافتا إلى بعض المؤشرات الاقتصادية بصدد التعافي فعلياً بعد سنوات صعبة، وستكون أفضل بكثير انطلاقا من العام المقبل.

ويضيف "غير أنه كان لا بد من اتخاذ الإجراءات المؤلمة مثل خفض دعم الطاقة وفرض بعض الضرائب على الشركات والأفراد، لذلك كانت الكلفة السياسية الباهظة بالرغم من أن مصلحة تونس كانت تقتضي ذلك".

وخلال السنوات الثلاث الماضية سجل التضخم في تونس معدلات قياسية لم تعرفها البلاد منذ سنة 1989، حيث ارتفع التضخم في يونيو/ حزيران الماضي إلى 7.8 بالمائة، ووصل معدل البطالة إلى 15.2 بالمائة، مقارنة بنحو 12 بالمائة في 2010.

كما رفعت الحكومة في مارس/آذار الماضي أسعار البنزين للمرة الخامسة في نحو عام، وشهدت البلاد احتجاجات متفرقة في السنوات الأخيرة، من بينها إضرابان عامان شنهما الاتحاد العام التونسي للشغل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 ويناير/كانون الثاني 2019، احتجاجا على تجميد أجور موظفي القطاع الحكومي.

العملة المحلية لم تسلم هي الأخرى في فترة حكم الشاهد من تراجع حاد بفعل سياسة التعويم الجزئي التي دعا إليها صندوق النقد، حيث سجّل الدينار تراجعا بأكثر من 25 بالمائة من قيمته مقابل اليورو، ما زاد من حدة التراجع المسجلة على مدار السنوات التسع الأخيرة.

وشهدت العملة التونسية تراجعاً كبيرا أمام العملتين الأميركية والأوروبية على مدار 9 سنوات، إذ تراجع سعر الدينار أمام الدولار بنسبة 107 في المائة منذ عام 2011 حتى بداية 2019، حسب البيانات الرسمية.

ومع بداية 2011 بلغ سعر الدولار 1.42 دينار، بينما ارتفع سعر العملة الأميركية تدريجياً حتى بلوغه 1.87 دينار في 2015، ثم كسر حاجز الدينارين في 2016، ومع بداية 2019 ارتفع الدولار إلى 2.94 دينار، ليستقر حاليا في حدود 2.86 دينار.

أما مقابل العملة الأوروبية الموحدة، فقد تراجع سعر الدينار بنسبة 76.8 في المائة خلال 9 سنوات، إذ بلغ سعر اليورو مطلع 2011 نحو 1.9 دينار، ثم قفز إلى 2.41 دينار في 2017، قبل أن يخترق حاجز 3 دنانير عام 2019، مسجلاً 3.363 دنانير.

وبعد هبوط كبير في السنوات الماضية، حقق الدينار التونسي ارتفاعا بنحو 10 في المائة هذا العام مقارنة بالعملات الأجنبية، فيما دافع رئيس الحكومة أكثر من مرة عن سياسات حكومته، لافتا إلى أن المؤشرات في طريقها للتحسن بشكل ملحوظ.

وتوقع الشاهد أن ينخفض عجز الميزانية إلى 3 في المائة في 2020 لأول مرة من حوالي 3.9 بالمائة هذا العام وحوالي 5.1 بالمائة في 2018. وكان العجز في حدود 7.4 بالمائة حين تسلم الشاهد منصبه كرئيس للحكومة في 2016.

وخفض العجز في الموازنة كان من أبرز التحديات التي تواجها تونس بعد ثورة 2011، التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، مما اضطر أغلب الحكومات للجوء للاقتراض الأجنبي بمعدل يصل إلى 7 مليارات دينار سنويا، ورفع ذلك المديونية إلى مستويات قياسية يتوقع بلوغ نسبتها 83 بالمائة من الناتج الخام للبلاد سنة 2020 وفق مشروع الموازنة للعام المقبل.

ويمثل الاقتراض المفرط أبرز نقاط ضعف حكومة الشاهد، التي لجأت إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لسداد عجز الموازنات، وتوفير الاعتمادات اللازمة للإيفاء باتفاقات زيادات الرواتب البالغة كلفتها أكثر من مليار دينار ما بين 2018 و 2019، فيما تحتاج تونس إلى 12 مليار دينار، أي نحو 4.1 مليارات دولار إضافية عام 2020 لتمويل الموازنة الجديدة وفق بيانات رسمية.

وقال مسؤول حكومي لـ"العربي الجديد" إن حكومة الشاهد التي تنتهي عهدتها قريبا لن تتخذ أي قرار جديد بشأن الخروج على السوق الدولية للاقتراض، بالرغم من الحاجة الماسة لاقتراض نحو 800 مليون يورو، مؤكدا أن قرارات الاقتراض سترحّل إلى البرلمان والحكومة القادمين للموافقة عليها.

وأضاف المسؤول أن حكومة الشاهد اشتغلت تحت ضغط الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية العالية، دون حزام سياسي في البرلمان، ما يفسر عدم مصادقة مجلس نواب الشعب المنتهية ولايته على عشرات مشاريع القوانين المهمة التي تقدمت بها الحكومة، من بينها قانون العفو عن جرائم الصرف الذي طالب به البنك المركزي.

وتابع :"قد تكون حكومة الشاهد خسرت رهانات رفع نسب النمو وخفض البطالة وتحسين واقع عيش التونسيين، لكنها هيأت الأرضية للحكومة القادمة لتعمل بأريحية أكبر بعد انقضاء الجزء الأكبر من الإصلاحات المؤلمة".

في المقابل ينتقد الخبراء الاقتصاديون "التفاؤل المفرط" للفرضيات التي وضعتها حكومة الشاهد بخصوص نسبة النمو، وهي 3.1 بالمائة لكامل سنة 2019، معتبرين أن هذه النسب الطموحة بعيدة عن حقيقة الواقع الاقتصادي الهش في البلاد، حيث كان على الحكومة اعتماد نسبة نمو لا تتجاوز 1.5 بالمائة وفي أقصى تقدير 2 بالمائة.

ومؤخرا راجع صندوق النقد نسبة النمو المتوقعة في تونس نحو الانخفاض، وذلك على ضوء النتائج المسجلة والعديد من المؤشرات الاقتصادية والمالية، وذلك من 3.1 بالمائة متوقعة إلى 2.7 بالمائة، غير أن البيانات الرسمية لمعهد الإحصاء كشفت أن الناتج المحلي الإجمالي للنصف الأول من العام الجاري سجل نموا بنسبة 1.1 بالمائة.

وقال الخبير المالي ووزير التجارة السابق محسن حسن، لـ"العربي الجديد" إن على الحكومة القادمة التعامل بأكثر عقلانية مع الملف الاقتصادي، ووضع سياسة إنقاذ قابلة للتنفيذ تحظى بإجماع الطبقة السياسية، داعيا إلى ضرورة تبني مخطط للاستثمار في المحافظات الداخلية، التي تشكو من صعوبات التنمية ونسب فقر وبطالة مرتفعة، مؤكدا أن الحكومة الجديدة ستكون في مواجهة عدة تحديات تاريخية.

وأضاف حسن: "الانتخابات الأخيرة فجّرت آمالا جديدة لدى التونسيين يجب ترجمتها بزيادة النمو وخلق فرص العمل، حتى لا يتسلل الإحباط إلى نفوس التونسيين من جديد".

وتابع "من الضروري والعاجل أن تنفذ الدولة إصلاحات جريئة، وتقوم بهيكلة المشاريع العامة وتعزيز القوة الشرائية، على أن يشمل الإصلاح المؤسسات المالية وخطط التنمية الإقليمية وطرق إدارة الموازنات العامة".