كشف حساب "3 يوليو"

07 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 05:38 (توقيت القدس)

مصريون في نيويورك يتظاهرون ضد حدث 3 يوليو (يوليو/2014/getty)

+ الخط -

بعد عام من 3 يوليو/تموز 2013، من المفيد، بل من الضروري، البحث في حصاد وتبعات ما شهدته مصر منذ ذلك الحدث الجلل، فهذا المنطق الوظيفي في التقييم هو الأجدى، والأكثر ملاءمة لمنطق وعقلية مؤيدي "3 يوليو". ولمّا كان المسوغ الأساسي لدى هؤلاء استعادة الوطن والحفاظ على ترابه وسيادته واحترام المواطن، وتأكيد أن مصر سترجع، كما كانت دائماً، "أم الدنيا"، فإن معيار الحكم على نجاح "3 يوليو"، أو فشله، هو مدى تحقق هذه الأهداف، والحفاظ على تلك المعاني والمبادئ. وبالنظر إلى حصاد عام، فإن التقييم سيصطدم بواقع أن المصريين قد كفروا بالديمقراطية، تحديداً بالانتخابات كآلية أساسية فيها، بعد إجهاض تجربةٍ هي الأولى منذ 1952. وما صاحب عملية الإجهاض من شيطنة وتشويه، وربط بين التطبيق السيئ والآلية نفسها، فأصبحت المشاركة السياسية ذاتها مكروهة لدى بعض المصريين، ولا جدوى منها لدى بعض آخر. والنتيجة أن صعوبةً كبيرةً ستواجه أي استحقاق سياسي انتخابي مستقبلًا في إيجاد مشاركين، ما يعني ردة وانتكاسة لفكرة وتطور كان لا يزال وليداً.
ترتبط بهذا الوضع نتيجة أخرى شديدة السوء، هي تقسيم الشعب المصري إلى فصيلين، كل في مواجهة الآخر. وقد حشدت الآلة الإعلامية الرسمية والخاصة كل مواردها وقدراتها لهذا الغرض. فتحوّل الخلاف السياسي إلى انقسام مجتمعي، ليس فقط حول منهج أو طريق، وإنما حول الهوية والوجود وأحقية الانتساب إلى الوطن، أو الجدارة بالمواطنة. وصحبت ذلك التقسيم حالة مقززة من الاستهانة بقيم الإنسانية وحق البشر في الحياة، بغض النظر عن الدين، أو أي مكوّن آخر للهوية. فصارت الدعوات إلى الحرق والقتل سهلةً، وعقاباً يسيراً لكل مخالف في الرأي. ولم يكن مستغرباً أن يترتب على هذا الاستقطاب الحدي تشويه وإقصاء كل القوى السياسية والرموز التي لا تؤيد "3 يوليو" بشكل مطلق، بل، أيضاً، تلك المؤيدة إذا أبدت رأياً مغايراً أو تحفظت عن سلوك معيّن. فأصبحت الوطنية صنواً للتأييد الكامل غير المشروط.
محصلة ذلك كله سقوط الاتهامات التي كانت تكال لمحمد مرسي، مثل الإقصاء والتهميش والأخونة. فالسلطة الحالية تمارس ذلك كله بكل دقة، مدعومة بقوة أمنية باطشة لم تتوفر لمرسي. ومن المنطقي بعد ذلك كله، أن يزداد الاقتصاد انهياراً، وأن تهرب الاستثمارات، وأن تصبح عودة الأمن إلى الشارع سراباً، مع الاستمرار في التركيز على الأمن السياسي.
من ثم، فبمعيار الهدف والإنجاز، يصبح "3 يوليو" فاشلاً في تحقيق أهدافه المعلنة، والتي تم إلباسها لباس "30 يونيو" ليركب موجة الجماهير الغاضبة، بينما المحصلة هي تعميق أسباب الغضب، حتى بين المؤيدين.
وتبقى النتيجة الأخطر والأعمق أثراً، لكن أحداً لم يلتفت إليها، هي انحسار الثقة في مؤسسات الدولة، فقد أصبحت صدقية المؤسسة العسكرية تحديداً على المحك، بعدما تصدّت لما وصفته بتحقيق تطلعات الشعب "الذي لم يجد من يحنو عليه"، ثم آلت تلك المقولة إلى الوضع القائم. فضلاً عما قيل في السياق من زهد في السلطة، ثم التراجع والقفز عليها، وذلك أسوأ ما في كشف حساب " 3 يوليو"، حيث المؤسسة الأقوى، والتي كانت دائماً خارج المنافسات والمماحكات السياسية، قد أصبحت طرفاً أصيلاً فيها، تباشر ألاعيب السياسة وتمارسها بمثالبها. والأخطر أنها، في سبيل ذلك، تخلّت عن شعارات رفعتها وآمن المصريون بها. لذا، يُخشى على صدقية المؤسسة وصورتها لدى الظهير الشعبي لها. ولا أسوأ من أن يفقد جيش ذلك الظهير، وإن لم يكن هذا واضحاً حتى الآن في مصر، إلا أن عاماً بعد "3 يوليو" يدعو إلى القلق بشأنه في المستقبل القريب.

 

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.