كذب ومنافع أخرى

12 اغسطس 2019
الصورة

(Getty)

تفجرت فضيحة جديدة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعد أن وثّقت صحيفة واشنطن بوست توظيفه مهاجرين غير شرعيين في مشروعاته الخاصة قبل سنوات طويلة. وذكرت أن معظم أولئك العاملين انخرطوا في العمل لحساب ترامب، على الرغم من عدم امتلاكهم وثائق ثبوتية سليمة.
في محاولة لتبرئة ترامب، قالت الدوائر القريبة منه إنه لم يكن على علم بعدم قانونية أوضاع هؤلاء المهاجرين الذين يعملون لحساب بعض مشروعاته. ولكن ما يؤكد أن عملية استخدام مهاجرين غير شرعيين تتم بعلمه المسارعة فور تولي ترامب الرئاسة إلى تعديل أوضاع أولئك العاملين، ونقل تبعيتهم من مؤسسات ترامب الخاصة، إلى كيانات أخرى مسجلة بأسماء بعض المحيطين به. بالإضافة إلى ذلك، تبيّن أن قواعد العمل والرواتب الخاصة بأولئك المهاجرين تعكس وضعيتهم غير القانونية، ومن ثم قبول رواتب متدنية وبيئة عمل غير سليمة.
مع أنها ليست المرة الأولى التي يبدو فيها ترامب متناقضاً مع نفسه، إلا أن تناقضاته السابقة كانت ترتبط بتغيير موقفه وفق معيار واحد واضح، هو المكاسب التي يمكن تحصيلها من موقف ما أو عكسه. أما هذه المرة فلا تناقض أو تبديل مواقف، وإنما كذب صريح.
ربما كان ترامب أكثر الزعماء فجاجة وشعبوية، ولكن الكذب ظاهرة متأصلة في الساسة بشكل عام، خصوصاً لدى بعض قادة الدول وزعماء الشعوب المتخلفة. كان جمال عبد الناصر يسب الأميركيين، ويجري معهم اتصالاتٍ سرية. وكان قادة الاتحاد السوفييتي يجبرون الشعب على الفقر، فيما ينعمون هم بالرفاهية وحياة الأغنياء.
حالياً، كل زعماء الدول الغربية يرفعون شعارات المساواة وحقوق الإنسان وحرية العقيدة والفكر. ثم يغلقون الحدود في وجوه اللاجئين الهاربين من كوارث وأوضاع مأساوية غير إنسانية. وتُصدر الحكومات الأوروبية قوانين تتعارض مع المساواة، وتفرض سلوكيات معينة، وتقيد أخرى، بحجة الحفاظ على النسيج المجتمعي والنسق الثقافي.
وفي الدول العربية، تتذرّع الحكومات بمؤامرات خارجية مفترضة، وتتهم المعارضين بالعمالة وتلقي تمويلً أجنبي وخدمة أجندات دول خارجية، فيما تسمح لنفسها بتلقي تمويلاتٍ وإقامة تعاون وثيق مع الدول نفسها. بل وللحكومات وحدها أن تنفتح على تل أبيب وتنسق مع حركة حماس. أما بالنسبة للمواطنين والأحزاب أو المجتمع المدني، فمن يذكر هذه بخير فهو إرهابي، ومن يتعامل مع تلك فمطبّع وخائن.
كان معمر القذافي يدعو علنا إلى وحدة عربية، ومثله صدام حسين، ورفع عمر البشير لواء العروبة والإسلام. وفي الواقع، وجد الأول في دولة "إسراطين" حلاً للصراع من دون حرب أو حتى تفاوض، بينما غزا الثاني الكويت، وتسبب الثالث في تقسيم السودان. وبعد أن سقطوا جميعاً، للأسف لم يتّعظ الآخرون، فهذا يتفنن في إفقار شعبه، وذاك يتقرب للأميركيين بأي ثمن، وثالث يتلوّن مع الجميع وتحالفه الحقيقي مع الصهاينة فقط.
ربما يكذب ترامب، ليوازن بين مصالحه الخاصة ومنصبه السياسي، بينما لا مبرّر للكذب العربي المكشوف، ولا منطق واضحاً في تناقض الأفعال والأقوال. فثمّة فارق شاسع بين متطلبات السياسة والحكم، من براغماتية وتعامل مع الخصوم والبعد عن التصلب والمواقف الحدية. والكذب على الشعوب لاستدرار التعاطف، وموالسة أعدائهم والتخلي عن ثوابتهم.
وفي الحالتين، ليست الوطنية حكراً على أحد، ولم تنزل من السماء على الساسة والحكام من دون غيرهم، فكم من مواطنين بسطاء أكثر وطنية وحكمة وعقلانية من أولئك الكذبة المتنطعين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما يخجلون من ذكره. يدعون إلى التقشف، وهم يبعثرون الأموال. ويرفضون التمييز فيما يمارسون أقصى درجات العنصرية والاضطهاد. يردّدون شعارات عن العدالة والحرية والديمقراطية، بينما الظلم ديدنهم والقمع منهجهم. يدعون إلى الحوار والتفاهم، وهم دكتاتوريون حتى النخاع، لا يسمعون سوى أنفسهم وحوارييهم.