كتب همام في حيّ باربيس

كتب همام في حيّ باربيس

02 مايو 2017
الصورة
يقف قرب كتبه (العربي الجديد)
+ الخط -
لا يمكن أن يستمرّ الحديث مع محمد إبراهيم همام طويلاَ. بين لحظة وأخرى، يأتي أحدهم ليلقي السلام عليه. المصافحات لن تنتهي، ولا مبالغة في القول إنّ كثيرين يعرفونه في باريس.

على مدى سنوات طويلة، عاش هذا الرجل مع الناس، وكان الرصيف مكان لقائهم. في عام 1978، وصل هذا الرجل المصريّ الثمانيني إلى باريس. وبعد مرور نحو سنتين، زاول خلالها مهناً مختلفة، منها الصباغة، قرّر فجأة الانتقال إلى مجال آخر وهو بيع الكتب. يقول لـ "العربي الجديد: "علاقتي بالكتب قديمة"، لافتاً إلى أن مكتبته الشخصية كانت مليئة بالكتب.

هذا شغفه في الحياة، ويسعده أن يعرف أن الناس يهتمون بشراء الكتب واقتنائها في بيوتهم.
بدأ يبيع الكتب والأشرطة في مناطق عدة. كانت البداية أمام مسجد باريس الكبير، بالإضافة إلى مساجد أخرى، وفي الأسواق الشعبية، ومن ثم في المدينة الجامعية. يقول: "كنت أبيع في هذه المناطق خلال النهار. وفي الليل، أجوب جادة الشانزيليزيه، وأبيع أشرطة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وغيرهما. ولا أعود إلى البيت إلا بعد حلول منتصف الليل".

في عام 1987، استقر محمد إبراهيم في حيّ باربيس الشعبي الشهير وسط العاصمة الفرنسية باريس، ولم يغادره، أبداً. لم يكن الأمر سهلاً، ولديه ما يرويه للآخرين عن معاناته. يقول: "بدأت أضع الكتب على الرصيف. خاف جاري اليهودي على متجره وطلب مني المغادرة. بعدها، عنّفني بعض الشبان المغاربة وهددوا بضربي. فقلت لهم إنني أفضّل الانتقال إلى مكان آخر، ولا أريد إيذاء أحد. سمع رجل يهودي ما قلته وسأل عن مكان إقامتي، وقد تأثّر بكلماتي. أخبرته أنني أقطن في ضاحية بعيدة. فعرض عليّ أن أترك صناديقي عنده في الليل". يضيف: "أبقيت كتبي عنده على مدى سنتين، ثم عثرت على سكن قريب".

ما لا يعرفه كثيرون، هو أن عمل همام غير قانوني. مع ذلك، لم يحصل أي استفزاز من رجال الأمن. يقول: "تقاعدتُ قبل سنتين، ولم أعد أحضر معي كتباً من مصر. في الوقت الحالي، أفكر في بيع بيتي والعودة إلى بلدي". يضيف: "في الماضي، كنت أضعُ خيمة كبيرة وأعرض فيها بضاعة كثيرة. وقد عاونني شابان من بنغلادش، وعدد من المغاربة".

لم يعد محمد إبراهيم يعرض غير كتب دينيّة باللغتين العربية والفرنسية، إضافة إلى كتب تعليم اللغة الفرنسية. يلفت إلى أنه في الوقت الحالي، معظم الباعة هم من الأفارقة. استطاع الحصول على مؤلّفات "وطني مهدي وكفني"، و"الشوارد والشواهد"، و"في الفجر بيتي" لروّاد طربيه. يقول: "في الماضي، كنت أبيع كل أنواع الكتب، سواء كانت دينية أو سياسية". ويذكر من بينها "رياض الصالحين" و"خريف الغضب".

في كلامه حنين إلى الماضي. يذكر باربيس التي كانت قلعة للعمل السياسي والنقابي العربي، والتي كانت تضم إذاعة عربية ويقطنها عدد كبير من العرب. نسأله عن الكتب التي لاقت رواجاً بين الجمهور، فيجيب من دون تردد: "القرآن الكريم ورياض الصالحين ومؤلفات كشك والشعراوي".

يتأمّل همام المشهد الجديد في باربيس، لافتاً إلى أن ملامح الحي تتغير كثيراً، وبسرعة لا يمكن اللحاق بها. يدرك أن لا شيء يبقى على حاله. يضيف أن التجار الصينيين يشترون كل متاجر العرب أو معظمها. كذلك، قدم عشرات المغاربة إلى الحي. هؤلاء لا يبيعون الكتب، بل "سجائرهم الرديئة"، كما يصفها، على الأرصفة وأمام الميترو. يسأل: "هل تتصور أن لهذا الجمهور علاقة بالكتب؟".

ملامح العرب بدأت تتلاشى في باربيس شيئا فشيئاً. وقد اقترب اليوم الذي سيجمع همام كتبه ويزيلها عن الرصيف. حينها، سيُسدل الستار عن وجه من وجوه باربيس العربية. يدرك هذه الحقيقة جيداً، وإن كان يضايقه هذا التغيير وغياب تفاصيل كثيرة لطالما ميّزت هذا الحي.
وربّما يمرّ سائح عربي عرف المكان جيداً، فيقول: "هنا كان المصري الطيب محمد إبراهيم همام يعرض كتبه وأشرطته ومسابحه وبخّوره...".

دلالات