كتب تراثية: خير جليس في الحجر الصحّي

05 ابريل 2020
الصورة
(مخطوط من القرن الثالث عشر ميلادي، غيتي)
+ الخط -

مع تسارع الحياة المعاصرة، وتحوّلات اللغة ومصطلحاتها، أخذت قراءة الكتب التراثية عادة تقلّ من جيل إلى آخر، حتى أن كثيراً منها بات من قبيل الكتب التي يعرفها الجميع ويعلم ما في بطونها قلّة.

قد تكون فترة الحجر الصحّي ضمن إجراءات الوقاية من انتشار فيروس كورونا في مدن كثيرة من البلاد العربية فرصة للعودة إلى هذه الكتب، خصوصاً وأنها رغم هجر القراء لها، ظلّت حاضرة على مستوى الطباعة والنشر في تأكيد ضمنيّ بأنها لا تزال إلى يومنا تمثّل عامل طمأنينة بشكل من الأشكال.


كتاب الحروف
قد يتفاجأ متابع مسارات البحث في علوم حديثة مثل اللسانيات والسيميولوجيا، أن كتاباً من العصر العباسي تناول قضايا من قبيل بنية الألفاظ وعلاقة اللفظ بالشيء الذي يحيل إليه، والمعنى الذي ينشأ عن التقاء مجموعة من الكلمات في جملة واحدة. وبعيداً عن المسائل اللسانية يطرح "كتاب الحروف" محاولة لفهم إشكالية المعرفة، حيث يشرح الفارابي طبقات إنتاج المعرفة من الإحساس إلى التجربة إلى التذكر إلى الفكرة إلى الصوت إلى الحرف فالألفاظ.


حي بن يقظان
على الرغم من أن الفلسفة في أصولها اليونانية قد عرفت الحكايات المَثلية والحوارات إلا أن تحويل الفلسفة إلى عالم سرديّ متكامل لم يبلغ درجة من الإتقان إلا في كتاب "حي بن يقظان"، حيث ناقش مؤلّفه ابن طفيل مسائل سجالية يتخاصم حولها متكلّمو وفقهاء عصره مثل مسألة الخلق، والتوفيق بين الإيمان والتفلسف، وحدود المعرفة. إضافة إلى الجانب الفلسفي. يُعتبر الكتاب من أبرز نقاط التماس بين الفكر والأدب إلى يومنا هذا.


ديوان المتنبي
يشهد عدد من أطروحات الدكتوراه في القرن العشرين، والدراسات النقدية من العراق إلى المغرب، على أن ديوان أبي الطيب المتنبي لا يزال يعرف مقروئية كتلك التي حظي بها في الأزمنة اللاحقة. حتى نظريات القراءة الجديدة التي نظّر لها كلّ من ياوس وإيكو وجوف، من مسلّماتها أن وضعت المتلقّي كأهمّ فاعل في العملية الإبداعية، قد وجدت في نصوص المتنبّي الحقل الأمثل للتطبيق.


كليلة ودمنة
على الرغم من كونه ليس نصاً أصيلاً في العربية إلا أن أيّ عربيّ يقرأ نص "كليلة ودمنة" كأنه جزء من تراثه لا تشاركه فيه أي ثقافة أخرى، ولعلّ ذلك يفتح على إستراتيجيات الترجمة لدى عبد الله بن المقفع فنستفيد منها اليوم، فقد جعل النص العربي يُخفي أصوله الهندية والفارسية، حتى أن كثيرين لم يتورّعوا في افتراض أن يكون ابن المقفع قد ألّف "كليلة ودمنة" بالكامل، وادّعى أنه نصاً مترجماً.


المقدمة
كما اسمه، كان كتاب "المقدمة" مجرّد مدخل للتاريخ الذي وضعه ابن خلدون تحت عنوان "كتاب العبر"، غير أنه لن يبقى من أعماله سوى ذلك المدخل على حساب المجلّدات الكبيرة التي لحقته، وهو يحاول أن يؤرّخ للبشرية منذ الخلق إلى عصره. لم تحترق بقية الكتب ولم تتلف كحال أعمال عربية أخرى، غير أنها خانت "المقدمة" بما طرحته من ترتيب للكتابة التاريخية، وأعادتها إلى العقلانية والأخلاق العلمية، حيث أن تاريخ ابن خلدون لم يلتزم بوصايا "المقدمة" وبقي يكرّر سردية تاريخية كان المؤلّف ينتقدها عند غيره.

المساهمون