(كتاب رونالدو 18).. أنشيلوتي والكرة الذهبية وقنص العاشرة

02 اغسطس 2016
الصورة
رونالدو بعد الفوز بالكرة الذهبية (Getty)
+ الخط -


كان كريستيانو وريال مدريد في صيف 2013 على موعد مع مدرب جديد وهو كارلو أنشيلوتي الذي طبق واحدة من نظريات كرة القدم والحياة على الفريق: اجلب قليلاً من الفاصولياء غير المطهوة وضعها في طبق، ستجد بعضها فوق الآخر، أليس كذلك؟ الآن هز الطبق وسترى حبات الفاصولياء تتحرك تدريجيا لمكانها.

هذا الأمر ينطبق على المباريات والفرق، ففي النهاية يجد الجميع مكانهم في هذا العالم. أنشيلوتي سبق له التعامل مع أندية كبيرة ورؤساء من أصعب ما يكون. كان قد تعلم بكل بساطة كيف يهز طبق الفاصولياء. تعيينه كان منطقيا لأنه كان يمثل كل ما هو معارض لمورينيو وفوق كل هذا يعرف ما هو معنى الفوز.

شهد هذا الصيف انضمام آسيير إياراميندي وداني كارباخال وإيسكو بجانب تصعيد ألبارو موراتا للفريق الأولى وقدوم الويلزي غاريث بيل في الأول من سبتمبر/ أيلول، قادماً من الـ"بريميير ليغ"، تحديداً من توتنهام بعد مفاوضات صعبة.

فاز فلورنتينو بالانتخابات كمرشح منفرد مجدداً ووضع نصب عينيه هدفا واحدا: ضرورة حصد العاشرة عقب التعثر ثلاث مرات في نصف النهائي، بينما كان اللاعبون لديهم رغبة في إثبات قدرتهم على الفوز بدون مورينيو وانقساماته.

الكرة الذهبية
وصل كريستيانو لقمة مستواه في نوفمبر/ تشرين الثاني أثناء لعب ملحق التأهل للمونديال أمام السويد، حيث قدم مستوى مرتفعا في مباراتي الذهاب والإياب، خاصة تلك التي أقيمت في ستوكهولم حيث لم تؤثر عليه هتافات "ميسي ميسي" بالمرة. كان مستعدا للمناخ العدائي والتحدي الموجود أمامه وتمكن من تسجيل ثلاثة أهداف "هاتريك" في المباراة التي فازت بها البرتغال 3-2 لتتأهل لكأس العالم بالبرازيل.

كانت كمية الأهداف التي سجلها كريستيانو في الموسم ودوره في الذهاب بالبرتغال إلى مونديال 2014 هي ما يدعم ترشحه للكرة الذهبية، فيما كان الجانب الآخر يضم الفرنسي فرانك ريبيري بطل ثلاثية الدوري والكأس ودوري الأبطال مع بايرن ميونخ وليونيل ميسي بطل الليغا.

جاء ذلك اليوم الذي حل فيه جوزيف بلاتر رئيس (فيفا) ضيفا على مؤتمر في جامعة أوكسفورد وتحدث فيه عن ميسي وكريستيانو وقال إن الأول "فتى طيب"، بينما البرتغالي يسير بطريقة آلية مثل العساكر، وهو ما تم تفسيره على الفور على أساس أنه سخرية موجهة ضد رونالدو.

طالب ريال مدريد وكذلك كريستيانو نفسه الذي اعتبر الأمر بمثابة إهانة له ولبلاده بالاعتذار، ورد في اليوم التالي بإحراز "هاتريك" وكسر الرقم القياسي لبوشكاش في الليغا من حيث عدد الأهداف واحتفل بأداء التحية العسكرية، وفي المباريات الخمس التالية أضاف 10 أهداف.

مالت كفة الميزان حينها ناحيته فيما قرار (فيفا) تأخير تاريخ التصويت بالنسبة لقادة الفرق والمدربين والصحافيين لما بعد ملحق المونديال الذي كان كل من ريبيري ورونالدو سيظهران فيه، ساهم في إعطاء كريستيانو دفعة إضافية في الأصوات بسبب مستواه.

في 13 يناير/ كانون الثاني 2014 حضر كريستيانو حفل الكرة الذهبية في زيورخ بصحبة رفيقته العاطفية ارينا شايك ووالدته دولوريس ونجله وجورجي مينديش وعدد من أقاربه ورئيس النادي فلورنتينو بيريز. تبادل مع ميسي نظرة تفاهم مشتركة ونكات وتصريحات عامة حول احترام كل منهما للآخر. جاءت اللحظة الحاسمة وفتح بيليه المظروف والفائز هو.. كريستيانو رونالدو.! أخيرا بعد أربع مرات متتالية شاهد فيها ليو يتوج بالجائزة.

هذه كانت اللحظة التي بكى فيها البرتغالي ووالدته وإيرينا وبالنسبة لفلورنتينو لوحظ أنه كان يبتلع ريقه بصعوبة.. "شكرا لزملائي في ريال مدريد والمنتخب ولوكيلي ولشعبي ولوالدتي ولابني الذي يوجد هنا للمرة الأولى".. هذه كانت كلمات رونالدو الذي ظل الجميع يهتفون باسمه في طائرة العودة لمدريد.

التغيير
لم يكن هناك أحد يشكك في أهمية كريستيانو في الملعب، ولكن بعد الفوز بالجائزة تحسنت تصرفاته على أرض الملعب. أصبح يبتسم ويشكو بصورة أقل بعد القرارات السيئة سواء من قبل الحكم أو زملاء الفريق بل وبات يتجنب الاستفزاز.

بخلاف هذا أصبح مرتبطا بمسؤولي النادي وأعمالهم اليومية بصورة أكبر. أصبح رونالدو يفهم أن كل الأمور لا تتعلق به: أن المباريات لا تنتمي له وحده فقط وبدأ بالتصرف بشكل منضبط.

يقول أنخل دي ماريا "حينما كنت في بنفيكا كنت أعتقد أنه ليس سوى شخص أناني يدور عالمه حول ذاته، ولكن لاحقا حينما التقيت به أدركت أن هذا بعيد تماما عن الحقيقة. إنه شخص طبيعي وبسيط وودود"، فيما يضيف تشابي ألونسو "ربما كان غير عقلاني حينما وصل في البداية ولكنه لاحقاً نضج بصورة تدريجية".

بدأت العلاقة تتوطد بصورة أكبر بين رونالدو وسرخيو راموس وكاسياس بالعشاء معا أكثر من مرة لمناقشة شؤون شخصية وأخرى تتعلق بالفريق. لم يكن قائداً ولكنه أصبح مدعواً بصورة دائما ليشكل جزءاً من القيادة.

لا يقتصر الأمر على هذا بل إنه حينما حصل دي ماريا على عرض تمديد غير ملائم فإنه توسط لدى فلورنتينو من أجل حل المشكلة، حيث يقول دي ماريا بنفسه "عاملني دائما بصورة جيدة وكان موجوداً في الأوقات الصعبة، بل إنه تحدث مع الرئيس بخصوص عقدي".

هضم رونالدو جيدا تصاعد دوره داخل المجموعة وحصوله على الاعتراف الذي كان يرغب فيه من العامة، لدرجة أن مجلة (تايم) وضعته في قائمتها الصادرة بأبريل/ نيسان 2014 ضمن أكثر الشخصيات المؤثرة في العالم.. هل أصبح "القلوق" شيئاً من الماضي؟ أم أنه سيعود مجددا؟

مع أنشيلوتي
يقول أوسكار كامبيو مدير جريدة (ماركا) "كارلو أنشيلوتي رجل يعرف أن القانون الأول في كرة القدم هو أن اللاعبين هم الأكثر أهمية". وهذا الأمر حقيقي فكارليتو رجل يعرف كيف يدير أموره بأفضل صورة.

لم يتفهم نجوم ريال مدريد في البداية الطابع اللطيف والمتواضع لأنشيلوتي وعدم ميله لفرض نوع من السلطة العليا فوق الفريق ولكنهم أدركوا لاحقا أنه كان يتدخل فقط عند الحاجة ويطلب ما هو ممكن فقط.

كانت مطالب أنشيلوتي ترتكز على قدرات كل لاعب قبل أي شيء آخر وما كان يحتاجه منه، ولكن مع وجود استثناء وهو بالطبع كريستيانو رونالدو، حيث يقول بول كليمينت مساعد المدرب الإيطالي في تلك الفترة "حينما وصلنا كان كارلو يرغب من كريستيانو أن يلعب في مركز رأس الحربة الصريح لكي لا يحمل فوق كاهله مهام دفاعية".

يضيف كليمنت "الحقيقة أننا حاولنا هذا الأمر ولكنه لم يشعر بالراحة. تحدث المدرب معه وأخبره كريستيانو بوجهة نظره وقال: (أفضل استلام الكرة على اليسار والهجوم من تلك الجبهة. تطورت وأنا ألعب بهذه الطريقة)".

بهذه الطريقة كان يجب على الجهاز الفني إيجاد حل على الصعيد الدفاعي؛ لأن كريستيانو ربما لا يعود ويغطي الجناح. تمثل هذا الحل في أنخل دي ماريا الذي كان مستعدا للركض طوال المباراة ليصبح حاميا لهذه الجبهة.

يتابع كليمنت "كريستيانو كان يسهل التعامل معه. كان يدرك أنه لا يمكنه القيام بكل الأمور بنفسه".

عثر كريستيانو على الراحة المرجوة في خطة 4-3-3 التي لعب بها الإيطالي، والتي أعطته حرية في الجبهة اليسرى كما كان يتمنى مصحوبا في المقدمة مع بنزيمة في دور رأس الحربة المتحرك الذي تمت أقلمته ليتناسب مع احتياجات كريستيانو، وأيضا غاريث بيل المبتسم دائما على الناحية اليمنى.

هل كانت صفقة بيل سبباً في التحول الذي تعرض له رونالدو؟ هل هذا كان رد فعله؟ أم أنه كان يظهر أفضل ما لديه بعد فوزه بالكرة الذهبية وإثباته للجميع أنه الأفضل؟ أم أن الأمر يتعلق بكيفية تعامل أنشيلوتي مع حبات الفاصولياء الموضوعة في طبقه؟ أم أنها مسألة النضج والاقتراب من سن الثلاثين؟

العاشرة
لم يتمكن أنشيلوتي من قيادة الريال نحو لقب الليغا الذي ذهب لأتلتيكو مدريد في الجولة الأخيرة من البطولة بعد التعادل مع برشلونة بهدف لمثله على ملعب كامب نو، ولكن الفريق تمكن من التأهل لنهائي كأس الملك ودوري الأبطال.

كان الريال على موعد في نهائي كأس الملك أمام برشلونة ولكن كريستيانو كان مصابا في الساق. لم يرغب في المخاطرة من أجل البطولة الأهم وهي التشامبيونز لذا لم يشارك في ذلك اللقاء الذي كسر فيه غاريث بيل حالة التعادل بهدف لمثله في المنعطف الأخير بهدف الهروب الشهير ليتوج فريقه باللقب.

بعد المباراة دخل كريستيانو الملعب ليواسي ليونيل ميسي عقب الخسارة. كان رونالدو في حالة جيدة: تفصله خطوة عن نهائي دوري الأبطال والكرة الذهبية الثالثة قريبة منه وها هو يشاهد خصمه الأبدي في وضع ربما مر به كثيرا بعد سنوات من المنافسة (والاستمتاع؟). لا مانع من مواساته أبدا!

كان لقب البطولة هو كل ما تبقى الآن بعد مشوار رائع دوري الأبطال، تمكن الريال خلاله من إقصاء شالكه في ثمن النهائي وبروسيا دورتموند في ربع النهائي وبايرن ميونخ في نصف النهائي.

يقول رونالدو بعد مباراة إياب نصف النهائي أمام بايرن التي سجل فيها هدفين "كنت أتوق للوصول للنهائي. أنشيلوتي هو صاحب كل الفضل. هو من غير كل شيء، بما فيها عقلية اللاعبين".

كان الريال على موعد مع النهائي في 24 مايو/ أيار 2014 أمام جارهم وخصمهم في العاصمة أتلتيكو مدريد، حيث يقول تشابي ألونسو حول تلك المباراة "كانت الأمور بالنسبة له مثلنا جميعا: بعد طوال هذه السنوات في مطاردة العاشرة والسقوط أمام البرسا ودورتموند وبايرن، أصبح لقب دوري الأبطال هوسا. كانت هذه مباراة حياته.. ربما مباراة عمرنا جميعا".

لم يكن كريستيانو قد تخلص من مشكلات إصابة الركبة قبل النهائي ولكنه لم يكن ينوي تفويت هذه المباراة تحت أي ثمن. تفوق الجانب العاطفي على الجودة في هذا النهائي، خاصة أنه تطلب من الفريقين مجهودا ذهنيا وبدنيا جبارا.

بعد السيناريو الذي يعرفه الجميع بارتقاء راموس في النهاية ورأسيته التي مددت المباراة لوقت إضافي، فاز الريال بأربعة أهداف لواحد بعدما سجل بيل ومارسيلو وكريستيانو من ركلة جزاء.

بعد 12 عاما من الإحباطات فاز ريال مدريد بالعاشرة وتذوق رونالدو المجد مجددا عقب ست سنوات من تتويجه باللقب مع مانشستر يونايتد، خاصة أنه كان هداف الـ"تشامبيونز" في هذه النسخة بـ17 هدفا.

يعرف رونالدو كيف يرد الجميل جيدا لذا فإنه عقب التتويج بالعاشرة اشترى لكل فرد في الفريق ساعة (بولجاريا دياجونو برو) تقدر قيمتها بثمانية آلاف و200 يورو، فيما أنهى كريستيانو الموسم أيضا كهداف لليغا ولأوروبا.

في بداية الموسم الجديد وعقب العطلات فاز الفريق بكأس السوبر الأوروبي على حساب إشبيلية بهدفين حملا توقيع كريستيانو، والذي حصل على جائزة المباراة. عام 2014 كان رائعا ومسألة فوزه بالكرة الذهبية الثالثة والثانية على التوالي أصبحت شبه محسومة.

المساهمون