كتاب "العَيْن".. هموم المعجم الأول

28 مارس 2015
الصورة
تمثال الفراهيدي في البصرة للنحات نداء كاظم
+ الخط -

ظلّت مادةُ "كتاب العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي وتفاصيله وجبةً رئيسة على طاولة البحث النقدي، منذ بداية القرن الثالث الهجري، من دون التقليل من شأنه، باعتباره مصدراً ملهماً للمعجميّين اللاحقين في ترتيبه مرّة بعد مرّة، وفي مادّته الغزيرة مرّات ومرّات.

صرفَ الخليل دهراً من عمره يجمع ألفاظ اللغة سماعاً من عرب القبائل الفصيحة، مثلما كان يفعل أستاذه أبو عمر بن العلاء، فجمع من ذلك أكثر من "أربعين رطلاً" من الورق دوّن فيها مادته المعجمية بخطّ دقيق جداً. وعلى الرغم من ذلك، فقد أدرك الخليلُ أنّ اللغةَ لا يمكن أن يحصرها جُهْدٌ فردي، ذلك أن المعجمَ ما هو إلا مشروع أمة، فوضع خطةً عبقرية لفهم فلسفة اللغة وألفاظها أولاً ثم جمعها ثانياً.

بدأ الخليل يبحث عن الحلّ الناجع لأزمته مع الحصيلة اللغوية اللازمة لبناء معجم العربية الأول، منطلقاً من أنّ لكلّ علم ضابطاً أصولياً! فلم يكن مشروعه قائماً على أن يكدّس في كتاب واحدٍ ما لديه من محصول لغوي ضخم، بل كان يسعى لهندسةِ نظامٍ صوتي ولغوي دقيق لا يتفق أن يخرج عنه كلام العرب.

ولعلّ غياب هذه النظرة الدقيقة عن أذهان النقاد القدامى هي التي جعلت ابن فارس، وهو من عشاق الخليل، ينتقده قائلاً: "مَا بلغنا أنّ أحداً ممن مضى ادّعى حفْظ اللغة كلِّها. فأما الكتاب المنسوب إِلَى الخليل وَمَا فِي خاتمته من قوله: (هَذَا آخر كلام العرب) فقد كَانَ الخليل أورع وأتقى لله جلّ ثناؤه من أن يقول ذَلِكَ".

فظنّ ابنُ فارسٍ أنّ المقصودَ من "كلام العرب" هو الألفاظ، بينما كان الخليلُ يقصدُ الأبنيةَ وحدها.

يدعم ذلك أن بعض الروايات التي تصدقها طبيعة الكتاب؛ تذهب بنا إلى القناعة بأن الخليل قد وضع فلسفة الكتاب وهيكلَه مُفرّغاً، ولم يَحْشُه بالمادة المعجمية، وإنما أوكل ذلك لصاحبه الليث بن المظفر الذي أوصاه بأن يسيرَ فيه وفق ما اتفقا عليه.

وكان الليث دائماً ما يستفسر عن مراد الخليل، وقد حدث ما باعدَ بينهما فترة من الزمن، فانزعج الليث، فقال: "ثم اعتلّ، وحججتُ. فما زلتُ مشفقاً عليه، وخشيتُ أن يموتَ في علّته؛ فيبطلُ ما كان يشرحه لي، فرجعتُ من الحجّ، وسرتُ إليه، فإذا هو قد ألف الحروف كلها على ما في صدر هذا الكتاب، فكان يملي عليّ ما يحفظ، وما شَكّ فيه؛ يقول لي: سلْ عنه؛ فإذا صحّ فأثبته. إلى أنْ عَمِلْتُ الكتابَ".

وباختصار شديد، تقوم فكرة المشروع على حصر الأبنية اللغوية، وتقسيمها: ثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية، مجردة بدون زيادات. ثم تقليب أصول الكلمة الواحدة، ووضعها في فصلٍ واحد. وأبواب الكتاب مرتبة على مخارج الحروف من أعمق نقطةٍ في الحلق مروراً بحركاتِ اللسان وحتى أطراف الشفتين، فالعين هو أول حروف الكتاب والميم هو آخرها، قبل حروف العلة الجوفية الواو والياء والألف.

وقد رحل الخليل (سنة 174هـ) ولم يترك نسخته - أو فكرته - لغير الليث، وهو ما جعل بعض اللغويين يشككون في الكتاب وينسبونه لغير الخليل.

يحكي الرواة أن خلافاً نشب بين الليث وامرأته التي كادَتْ له بعد أن اشترى جاريةً جميلة؛ فقالت: "والله لأغيظنّه ولا أبقي غاية إن غظته في المال، فذاك ما لا يبالي به، ولكنّي أراه مكبّاً ليلَه ونهارَه على هذا الدّفتر، والله لأفجعنّه به". ثم أخذت الكتاب وأضرمت ناراً، وألقته فيها! فيقال: إن الليث استخدم ذاكرته لإملاء جزءٍ من الكتاب، ثم استعان ببعض معاصريه حتى أتمّه.

ظلّ كتاب العين الشغل الشاغل لابن المظفر، وفاءً لصديقه وأستاذه، يعمل فيه قلمه، وقد زعم بعضهم أن الليث لقّب نفسه بـ "الخليل"، فإذا قال في الكتاب: "قال الخليل: كذا"؛ فإنما يعني نفسه، وإذا قال "الخليل بن أحمد: كذا"؛ فإنما يقصدُ الفراهيديّ؛ صاحبَ الكتاب!

وحين انتهى الليث من عمله قال في بداية الكتاب: "هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصري من حروف: أب ت ث مع ما تكمَّلَت به فكان مدار كلام العرب وألفاظهم، ولا يخرج منها عنه شيء".

نظر النقاد في الكتاب طويلاً، فوقعوا في مادته وحشوه - وليس في فلسفته وهيكلته - على جملة أخطاء نزّهوا عنها الخليل، لسموّ قدرِه عندهم. ووقفوا على علامات استبعدوا أن الخليل على وضوح منهجه؛ ينحرفُ إليها! فيقول ثعلب: "إنما وقع الغلط في كتاب العين؛ لأن الخليل رسمه ولم يحشه، ولو كان هو حشاه لما بقي فيه شيء؛ لأن الخليل لم يُرَ مثله". ويقول ابن جني: "فإنّ فيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يُحْمَلَ على أصْغَرِ أتباعِ الخليلِ فضْلاً عن نفسه".

وقيل: "إن ما وقع فيه من معاني النحو إنما وقع على مذهب الكوفيين وبخلاف مذهب البصريين"، مع أن الخليلَ شيخُ البصريين! ويبدو أن ذلك كان من عمل الليث، الذي كان يختلف لاحقاً إلى بعض علماء اللغة من الكوفيين، فلعل ذلك مما جعله يضع في الكتاب ما لا يصح نسبته للخليل.

وفي الكتاب مجموعة من الأخطاء التي وقفوا عليها مثل: التصحيف، وهو أمر طبيعي في عصر لم تكن فيه الحروف العربية منقوطة. والنقص في بعض المواد اللغوية. وبعض الأخطاء الصرفية الاشتقاقية.

غير أن ذلك كله يعود في المقام الأول إلى أن الكتاب ظلّ مهملاً زمناً طويلاً، وقد عبث فيه الورّاقون، حتى إنك تجد فيه من الحكايات عن المتأخرين، والاستشهاد بالمرذول من أشعار المحدثين، ما لا تصلح نسبته للخليل أو الليث!

وتشهد خلافات العلماء القدامى حول "كتاب العين" على تعدد نسخه واختلافها واضطراب مادتها. أما حديثاً فَقَدْ حُقِّقَ وطبعَ اعتماداً على مخطوطات قليلة ومتأخّرة وناقصة.

دلالات

المساهمون