كان يا ما كان... زيارات صباحيّة ثقيلة في سورية

كان يا ما كان... زيارات صباحيّة ثقيلة في سورية

24 ديسمبر 2016
الصورة
في ليلة العيد، كنّا نجتمع في الكنيسة (فرانس برس)
+ الخط -

كبيرة، ومخروطية الشكل، وذات أوراق إبريّة، وزاهية الخضرة. مواصفات شجرة عيد الميلاد التي كان يحرص السوريون على اختيارها طبيعية، قبل عقود من الزمن. في المدن، كانوا يشترونها من المشاتل، فيما كان أهالي الريف يحضرونها من الأراضي والغابات المنتشرة في المحيط. وينشغل أفراد الأسرة لا سيّما أطفالها، بتزيينها بقطع ملوّنة من الزجاج ولمبات صغيرة تومض باستمرار وبالبالونات وندف قطن تمثّل الثلوج المتساقطة. إلى ذلك، كانوا يشكّلون من ورق بنيّ مغارة صغيرة تمثّل مكان ولادة المسيح.

في صباح يوم العيد، كان الناس في الخمسينيّات والستينيّات يستيقظون مبكرين، فيرتدي الأطفال ثيابهم الجديدة ذات الألوان الزاهية، وتبدأ الزيارات الصباحيّة للأقارب قبل التوجّه إلى الكنيسة للمشاركة في قدّاس العيد. هناك، يلتقي الأصدقاء وأهل المنطقة، بمن فيهم المسافرون الذين كانوا يعودون لقضاء العيد مع أهلهم.

سليم بشارة، كان طفلاً في ستينيّات القرن الماضي، ويقول: "أكثر ما كان يزعجنا كأطفال، هم الضيوف الذين يأتون مبكرين في صباحات العيد للقيام بواجب المعايدة. كنّا نتهامس، إخوتي وأنا، ممتعضين، عندما يوقظنا أهلنا لإلقاء التحيّة عليهم". في تلك الأيام، كانت أسواق العيد مليئة بالباعة المتجولين الذين تختلف طوائفهم. وهؤلاء كانوا يبثّون من على عرباتهم، أغاني ميلادية للسيّدة فيروز، في محاولة، حينها، لإضفاء الأجواء الاحتفالية على عمليات الشراء. هكذا يدفع الزبون الفرحان بسخاء، من دون جدال. ويشير بشارة إلى أنّ "العائلات السورية بمعظمها كانت تعيش مستورة. وفي حمص حيث ترعرعت، كانت العلاقة أكثر ألفة بين أهل المدينة والريف الحمصي. كثر من أبناء الريف كانوا يدرسون ويعملون في المدينة. فتنتقل عائلاتهم من الريف إلى المدينة حاملة قيماً إضافية من الطيبة والبساطة، فتضفي على أجواء العيد كثيراً من الدفء".




إلى ذلك، يخبر بشارة أنّ "العلاقة بين مختلف الديانات والطوائف كانت جيّدة جداً. أذكر أنّ نادي الشركة التي كان يعمل بها والدي كموظّف، كان ينصب شجرة ميلاد ضخمة في كل عام، ويقيم احتفالات للمسلمين والمسيحيين على حدّ سواء. وكان الأطفال يلعبون مع بعضهم بعضاً في انتظار أن يقرع صاحب اللحية البيضاء الطويلة والمعطف الأحمر جرسه، ويزّع على الأطفال الألعاب التي يحملها في كيسه الكبير على ظهره". يضيف: "وعندما كان يدخل إلى القاعة، كنّا نصيح بصوت واحد بابا نويل! نركض نحوه غير قادرين على تحمّل الوقت الذي يستغرقه توزيع الهدايا. نستعجله ونتهافت على أكياس الهدايا".

من جهته، يحكي إلياس عبود عن أجواء احتفالات الميلاد في خمسينيات القرن الماضي في ريف إدلب، التي "كانت تبدأ قبل أسبوعَين من العيد. فتنشغل القرية بتحضير الكعك والزينة. وفي ليلة العيد، نجتمع جميعنا في ساحة الكنيسة، ونرتدي أجمل ثيابنا من دون أن تكون جديدة بالضرورة. ينطلق الحفل مع حلول المساء، ليستمرّ حتى موعد قدّاس منتصف الليل". يضيف: "كنّا كأطفال نخرج من القدّاس ونجوب شوارع الحيّ حاملين الزينة والحلوى. أمّا الأهالي، فيجتمعون أمام الكنيسة، وهناك يتصالح المتخاصمون".

مع مرور الزمن، تغيّرت كثيراً أجواء عيد الميلاد في سورية، وحلّ البذخ محلّ البساطة. من الممكن ملاحظة أشجار الميلاد البلاستيكية التي تعرضها اليوم محلات كبيرة. أشجار بمختلف الألوان مع أضواء مبهرة. وحولها، مجسّمات ضخمة لبابا نويل، تصدر بعضها الموسيقى. وتظهر شوارع من مدن ذات غالبية مسيحية، مزيّنة بالكامل بالأضواء الوامضة الملوّنة، بالإضافة إلى تلك التي تنسدل من الشرفات وعبارات المعايدة التي انتشرت على بعض من واجهات البنايات.

اختلفت أجواء الميلاد هذه الأيام عمّا كانت قبل أكثر من خمسين عاماً، ولا يخفي السوريّون ما يفتقدونه من ذلك الزمن. بشارة الذي يعبّر عن ذلك، يؤكّد أنّ الفقد أكثر إيلاماً في الغربة. فهو لاجئ إلى هولندا، بعدما هرب وعائلته من الحرب القائمة. "طقوس الميلاد الهولندية لا تعوّض ما عرفناه في الوطن".