كاميرا كريستوفر نيوهولم سخيّة في تقديم المكان والشخصيات

16 اغسطس 2019
الصورة
جيرارد باتلر في "المفقودون": صراع الشك والألم (فيسبوك)
انطلق حرّاس الفنار الثلاثة في مهمّة في جزيرة غير مأهولة، وسط المحيط. بحر وصخر، وضباب يولّد أفقًا رصاصيًا أحادي اللون، أمام توماس مارشال (بيتر مولان) وجيمس دوكات (جيرارد باتلر) ودونالد ماك آرثر (كونّور سويندَلس). كلّ شيء بخير، رغم شرارات بصرية ولفظية تُنذِر بسوء ما. وصل الرجال الثلاثة إلى الجزيرة، وتسلّم قائد الفريق المهمة من القائد السابق. مخرج "المفقودون (The Vanishing)"، كريستوفر نيوهولم، قدّم هذا كلّه في أقلّ من 5 دقائق. كان مستعجلاً في سرده، وسخيّا في وصفه المكان.

هناك موظّف كهل، متمرّس وحريص على وضعه الاجتماعي، وشاب ليس لديه ما يخسره غير بؤسه. بينهما هناك شخص عصبيّ، لا يُمكن توقّع ردود أفعاله. ببضع تلميحات، كشف نيوهولم، في فيلمه هذا (2019)، ماضي كلّ شخصية، قبل انخراطها في الأحداث. ثلاثة رجال، يختلف كلّ واحد منهم عن الآخَرَين في العمر والمظهر والمزاج والوزن. لذاك الوزن دورٌ في تقرير مآل الحبكة ومصير الشخصيات.

المخرج مستعجل في سرده. قدّم شخصياته، وشرع في تفصيل مزاج كلّ واحدة منها عبر وقائع صغيرة، واحتكاكات هامشية، تمهيدًا للمواجهة. 


"المفقودون" رحلة ذهاب وعودة في مهمّة محدّدة زمنيًا. للفيلم الروائي بُعد وثائقي عن مهنة بحرية. يعمل الرجال طيلة الوقت. يكنسون بعد العواصف. يحرسون الموقع. ينظّفون الفنار، لإرشاد البحّارة بضوئه. يجلسون ويستريحون، بينما يطغى هدير البحر ونغم النوارس. يبرّر موقع الجزيرة نوع المهمة وظروفها. المهنة قاسية، ومدخولها ضعيف، وهذا ينعكس على سلوك ممارسيها. يبدو أنّ السيناريو مكتوب خصّيصًا للمكان، الذي صُوّر الفيلم فيه.

ما هي المردودية السردية والبصرية التي يقدّمها ديكور الأحداث؟ كيف يكون المكان مقروءًا جدًا، والشخصيات تتحرّك في مسرح الأحداث؟ كيف تزيد عناصر الديكور من درامية المكان؟ على مستوى المكان، في بلاد بحرية وخطوط اتصالات ضعيفة، يزداد أثر العزلة على سلوك الفرد. يساعد ضيق المكان على خلق التوتر. يغذّي الديكور مزاج الشخصية. في فضاء ذكوري خشن، تحضر الأنثى كذكرى. في عالم من دون نساء، تتضاعف عدوانية الرجال.

القصّة مغروسة في المكان. الشخصيات تتخبّط بين القلق والأمل. يقوّي الديكور المركزي أثر العزلة على الفرد. يذكّر تحوّل إحدى الشخصيات بجاك تورّانس (جاك نيكلسون)، في "لمعان" (Shining)، الذي أنجزه ستانلي كوبريك عام 1980.



تكاد اللقطات تكون أحادية اللون، للبحر والأفق والحجر. يتراوح اللون بين الأزرق والأخضر والرصاصي. هكذا تتجلّى عناصر الديكور، التي تزيد من درامية المكان. الكاميرا سخية في تقديم المكان، خاصة قتامة الأفق الرصاصي، الذي يحيط بالجزيرة. هنا، يظهر أنّ المخرج مدير تصوير أيضًا.

على مستوى إيقاع السرد، تمّ السكوت على الجريمة. لكن ضجيج النزاع حول الغنيمة فضح السرّ، وأوجد مخاطر جديدة. عندها، ظهر أنّ كلّ حارس على استعداد لمواجهة الصعاب من أجل البقاء. نشأت أزمة، قوّتْ تماسك السرد. فلكلّ شخصية حاجة إلى الأخرى، بعد الجريمة. إما أن ينجو الثلاثة معًا، أو يتحطّموا جميعهم.

عندما يتعطّل العقل، بسبب الجشع والخوف، ماذا يحدث للإنسان؟ تطفو الغريزة، لتقرير أفعال الفرد.

في الثلث الأخير من "المفقودون"، يتمّ التخلّص من العدو الخارجي. آن الأوان لدفع الحساب للعدو الداخلي: الضمير، الذي يواجه الفرد بأفعاله. الشخصيات تدفع ثمن أخطائها. صارت الحبكة نفسية لا سلوكية، تقع في روح الشخصية لا في المكان. النتيجة: هبوط إيقاع الأحداث.
الفيلم بسيط، يسمح بكشف مراحل تطوّر حبكة لم تُكتب أثناء تصويرها. سبب تناوله هنا كامنٌ في أنّ مقالات عديدة عن أفلام ومسلسلات معروضة في رمضان 2019 وما بعده، تنتقد ضعف السيناريو، وتشكو من حبكات ركيكة وكثرة الـ"فلاش باك"، وعدم تماسك الأحداث، والاقتباسات البائسة، أو النقل والسرقة. عادة، تعتمد تلك المسلسلات في حلقاتها الأخيرة كتابةً سريعة، وتستخدم شخصيات كثيرة، ما يؤدّي إلى تشتيت الحبكة.

النتيجة؟ في معظم الأفلام، ينكشف الحدث الواحد من اللحظة الأولى. ثم، ماذا بعد؟ نادرًا ما يتمّ تطوير السيناريو. لذا، لا بدّ من تدقيق الأسئلة: ما الوضعية الأولى، وما الوضعية الثانية؟ كيف تتعقّد الأولى، ثم تتفكّك؟ أين البناء السردي، الذي يظهر شخصيات تسقط وتنهض؟

"المفقودون" تمرين جيّد لبناء حبكة متماسكة ومشوّقة. يقتضي التشويق تعقيد الحبكة وزيادة المخاطر، للحصول على الفرجة. في الفيلم تصعيد لفظي وآخر يدوي. فيه حبكة واحدة، يدفع بها المخرج إلى حتفها من دون تردّد. لذا، بدا الفيلم كوارث متتالية. لا يوجد في الجزيرة المعزولة سوق للأخبار السارة.

ميّز الشكلانيون الروس بين القصة والحبكة. فالقصة هي المادة الخام للسرد، تمّ اقتباسها من الواقع. أما الحبكة، فهي السرد، كما تمّ تشكّله فعلاً، بحسب تزفيتان تودوروف. الحبكة "هي التتابع المفصّل لارتدادات الحكاية". ينبع الارتداد من كون القصة تتميز بصراع شخصيتين، لهما أهداف متعارضة. في خضم هذا الصراع، يتعرّض البطل لتعاسات كثيرة، وينجو. تترك التعاسات جروحًا عميقة في روح البطل، قائد الفريق.

تحقّق هذا بفضل فنّ الحكي. قضت التكنولوجيا على مهن عديدة، وحطّت من قيمة مهن ومهارات كثيرة، إلا مهارة الحكي، فالتكنولوجيا تُثمّنها وتطلبها، خاصة مهارة الحكي البصري. الدليل أنّ كمية الحكي، الذي تطلبه "نتفليكس" لعرضه يوميًا، غير مسبوق. الحكايات أفضل علاج للأرق.

دلالات

تعليق: