كامالا هاريس: معارضة لترامب وداعمة لإسرائيل

12 اغسطس 2020
الصورة
والدا هاريس من المهاجرين إلى الولايات المتحدة (Getty)
+ الخط -

يكفي التوقف عند ردة فعل الغاضبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فور الإعلان رسمياً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، عن اختيار المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية جو بايدن، للسناتور عن كاليفورنيا كامالا هاريس، لتولي منصب نائبته في الانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لمعرفة حجم القلق الذي يعتري الرئيس الأميركي الساعي إلى ولاية ثانية من هذا الخيار، ليس فقط لما تُعرف به هاريس من معارضة واضحة لترامب، حتى أنها تكاد تكود الصورة النقيضة له، بل نظراً لما تمثله من تهديد مباشر لفرصه في الفوز، أخذاً بعين الاعتبار خلفيتها، حتى أنها تكاد تمثل صورة مصغرة عن التوجه الديمغرافي في الولايات المتحدة الأميركية، ما يتيح لها جذب مئات الآلاف الأصوات.
وباختيار هاريس التي تعود أصول والدها إلى جامايكا ووالدتها إلى الهند، فضلاً عن كونها متزوجة من يهودي أبيض، تكون قد ارتسمت معالم المعركة الرئاسية بصورتها النهائية: الديمقراطي بايدن، الذي تمثل لائحته "صورة التركيبة الأميركية"، والجمهوري دونالد ترامب الذي تعكس لائحته "الصفاء العرقي الأبيض".
ويبدو أن قرار بايدن، المحسوب بعناية، جاء ليخاطب قواعد الحزب الديمقراطي المتنوعة، خصوصاً الأميركيين السود والأقليات وشرائح من الوسط المستقل، المفترض وفق استطلاعات الرأي أنه جاهز للتصويت ضد الرئيس دونالد ترامب. وبهذا الاختيار، ألمح بايدن إلى النشطاء بأنه استفاد من دروس عام 2016، عندما ساعد أول انخفاض في إقبال الناخبين السود والنساء على التصويت منذ 20 سنة ترامب على الفوز في السباق إلى البيت الأبيض.
كما أن بايدن رشح هاريس لمنصب نائبته، على الرغم من انتقادها سابقاً له، وذلك على خلفية مواقفه من سياسات التمييز العنصري في سبعينيات القرن الماضي، ولا سيّما الاختلاط في الحافلات المدرسية. وتعرف هاريس بمعارضتها الشديدة لسياسات ترامب، ودعمها المفتوح لإسرائيل، على الرغم من دعوتها إلى تطبيق حل الدولتين. كما أنها دعمت الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس السابق باراك أوباما مع إيران، وهي تتبنى مواقف متشددة من السعودية، خصوصاً حربها مع الإمارات في اليمن.

وصف ترامب هاريس بأنها العضو "الأكثر فظاعة" بمجلس الشيوخ

وقال بايدن، في تغريدة ليل الثلاثاء - الأربعاء، "يشرفني أن أعلن أنني اخترت كامالا هاريس، المدافعة الشرسة عن الضعفاء، وأحد أفضل من عملوا في الخدمة العامة نائبة لي". وأضاف "أفتخر بها شريكة لي في الحملة". وكتبت هاريس، في تغريدة، "يشرفني" أن أنضم إلى بايدن، و"سأفعل كل ما يتطلّبه الأمر لكي يصبح قائدنا الأعلى". واعتبرت أن "جو بايدن قادر على توحيد الشعب الأميركي، لأنه أمضى حياته في النضال من أجلنا. وعندما سيصبح رئيساً سيجعل أميركا ترتقي إلى مستوى تطلّعاتنا". ويُعد اختيار هاريس لمنصب نائبة المرشّح الرئاسي الديمقراطي أكبر إنجاز سياسي لها، وهو سيفتح، في حال فوز بايدن بالرئاسة، الباب أمامها للترشح إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
ومنذ انسحابها من سباق نيل الترشيح الديمقراطي وتأييدها لبايدن، صعّدت هاريس انتقاداتها لترامب في العديد من القضايا، من تعاطيه مع أزمة تفشي جائحة كورونا إلى العنصرية وصولاً إلى الهجرة. وكتبت، في تغريدة أخيراً، "إن ترامب يحاول عبر خطابه العنصري المتكرر توجيه اللوم في إخفاقاته المتعلقة بفيروس كورونا لأي شخص ما عداه". وأضافت "هذه مسألة خطيرة وخاطئة، ولها تداعيات في الحياة الفعلية على الأميركيين الآسيويين والمهاجرين الآسيويين".
وبعيد الإعلان، وصف ترامب، الساعي للفوز بولاية رئاسية ثانية، هاريس بأنها العضو "الأكثر فظاعة" في مجلس الشيوخ، مؤكداً أنه "متفاجئ" لهذا الاختيار. وقال ترامب، للصحافيين في البيت الأبيض، إن هاريس لم تثر إعجابه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، موضحاً أنه متفاجئ لهذا الاختيار "لأن أداءها كان ضعيفاً". وأوضح أنه في عام 2018، خلال جلسة مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين القاضي بريت كافانو عضواً في المحكمة العليا، كانت هاريس "الأكثر لؤماً وفظاعة وازدراء من بين أعضاء مجلس الشيوخ". كما نشر ترامب مقطع فيديو مُجمعاً تظهر فيه هاريس وهي تهاجم بايدن وتتهمه بالعنصرية، بالإضافة إلى حديث لها تظهر فيه تبنيها البيان الراديكالي لليسار، داعيةً إلى فرض تريليونات الدولارات كضرائب جديدة، في إشارة منه إلى عدم صلاحيتها لهذا المنصب. كما سارعت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري للتعليق على اختيار هاريس نائبة لبايدن، بتوجيه انتقادات لمواقفها السياسية "المتطرفة" والتي تميل إلى اليسار.
وسارع أوباما إلى الرد، موضحاً أن "هاريس أكثر من مستعدة للوظيفة"، مشيراً إلى أنها "أمضت حياتها المهنية في الدفاع عن دستور البلاد والقتال من أجل الأشخاص الذين يحتاجون إلى العدالة". وعلى الرغم من توجيهها انتقادات حادة إليه، فقد أكد بايدن أنه لا يكنّ لها أي ضغينة، واصفاً إيّاها بأنها "مفكّرة من الدرجة الأولى، ومرشّحة من الدرجة الأولى ومنافسة حقيقية".

مسيرة هاريس

وتقول هاريس (55 سنة)، عن سيرة حياتها، "كانت والدتي تقول لي على الدوام: قد تكونين الأولى في القيام بالكثير من الأمور، لكن احرصي على ألا تكوني الأخيرة". وهاريس أول مدعية عامة سوداء لولاية كاليفورنيا، وأول امرأة من أصول جنوب آسيوية تفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي.

وكان والدا هاريس من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، فوالدها من جامايكا ووالدتها من الهند. وولدت هاريس في 20 أكتوبر/تشرين الأول 1964 في أوكلاند بولاية كاليفورنيا. وكان والدها دونالد هاريس استاذاً في الاقتصاد ووالدتها شيامالا غوبالان باحثة في سرطان الثدي. وانفصل والداها عندما كانت في الخامسة تقريباً، فربتها والدتها التي توفيت في 2009، مع شقيقتها مايا.
ونالت هاريس درجة البكالوريوس من جامعة هوارد، إحدى جامعات السود التاريخية في واشنطن. وهي عضو في نادي "ألفا كابا ألفا" للخريجات، أقدم نوادي الخريجات الأميركيات من أصل أفريقي. درست القانون في كلية هايستينغز بجامعة كاليفورنيا، وأصبحت مدعية، وشغلت منصب المدعي العام لسان فرانسيسكو لولايتين. انتخبت مدعية عامة لكاليفورنيا في 2010 وأعيد انتخابها في 2014، وفي نفس هذا العام تزوجت دوغلاس إيمهوف، وهو محام يهودي لديه ولدان من زواج سابق.

تعارض هاريس تقارب ترامب غير المبرر مع الرئيس الروسي

وعندما كانت مدعية عامة، أقامت هاريس علاقة عمل مع نجل بايدن الراحل بو، الذي كان يتولى المنصب نفسه في ولاية ديلاوير، والذي توفي بالسرطان في عام 2015. لكن فشلها في القيام بإصلاحات قضائية جنائية جريئة عندما كانت مدعية عامة، أثر على حملتها الرئاسية وحرمها تأييد العديد من الناخبين السود في الانتخابات التمهيدية.
وفازت هاريس بمقعد في مجلس الشيوخ في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 لتصبح ثاني سناتورة سوداء في تاريخ الولايات المتحدة. وفي مجلس الشيوخ، استخدمت مهارتها وأسلوبها الصارم في الاستجواب الذي اكتسبته من عملها كمدعية عامة، خصوصاً خلال جلسة تثبيت تعيين القاضي بريت كافانو في المحكمة العليا.
وأطلقت هاريس حملتها للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، في يوم عيد ميلاد مارتن لوثر كينغ جونيور في يناير/كانون الثاني 2019، خلال تجمع حضره 20 ألف شخص في أوكلاند. واشتبكت مع بايدن في مناظرة الديمقراطيين الأولى، منددة بمعارضة نائب الرئيس السابق في سبعينيات القرن الماضي لبرامج نقل التلاميذ والاختلاط في الحافلات للحد من الفصل العنصري في المدارس. وقالت "كان هناك فتاة صغيرة في كاليفورنيا. كانت من ضمن الصف الثاني الذي شمله الاختلاط في مدرستها، وكانت تنقل بالحافلة إلى المدرسة كل يوم"، مضيفة "تلك الفتاة الصغيرة هي أنا". وأتاح لها ذلك إحراز تقدم في استطلاعات الرأي، لكن لفترة قصيرة. وانسحبت من السباق للانتخابات الرئاسية في ديسمبر/كانون الأول 2019 وأعلنت تأييدها لبايدن. ورغم حدة المناظرة، أوضح بايدن أنه لا يكنّ أي ضغينة لهاريس، ووصفها بأنها "ذكاء من الصف الأول، ومرشحة من الصف الأول ومنافسة حقيقية".
وصوتت هاريس لصالح عزل ترامب في محاكمته في مجلس الشيوخ. وسعياً لإلحاق الهزيمة به، أكدت الحاجة لإعادة تشكيل "تحالف أوباما" الذي يضم أميركيين من أصول أفريقية وإسبانية ونساء ومستقلين.
وقال نشطاء أميركيون من أصل أفريقي إن اختيار بايدن لهاريس نائبة له أظهر التزامه حيال الناخبين السود، لكنهم حذروا من أن ذلك لن يضمن له الدعم الذي يحتاجه للفوز. وقالت إيمي أليسون، مؤسسة جماعة "شي ذا بيبول" التي تروج لمشاركة النساء السود في السياسة الأميركية، "إنه يستجيب لنداء الملايين منا، وهي رسالة حاسمة حقاً لقاعدة الحزب تعني: أراكم، أسمعكم". وذكر زعماء سود آخرون أن هاريس، عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية كاليفورنيا، لديها خبرات في بناء تحالف متعدد الأعراق من الناخبين من شأنه أن يعزز فرص بايدن في الانتخابات، معتبرين أنها ستعزز الإقبال على التصويت، ليس فقط بين الناخبين السود ولكن أيضاً النساء البيض، في ولايات حاسمة مثل ميشيغن وويسكونسن، حيث فاز ترامب في انتخابات 2016 بفارق ضئيل.

دعم مطلق لإسرائيل

وبعيداً عن المواقف من الملفات الداخلية التي تحرّك الناخب الأميركي، فإن هاريس لا تخفي دعمها المفتوح للاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من أنها تؤمن، من جهة أخرى، بحل الدولتين كمعادلة لإنهاء الصراع. وهي تطالب بألا يكون دعم إسرائيل الكامل قضية حزبية، وتنادي بالدعم الأميركي الكامل للاحتلال.
وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن هاريس تعرضت إلى انتقادات من اليمين في الحزب الديمقراطي بعد اجتماعها مع قيادات لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك" في عام 2019. وأوضحت أن هاريس تقف في صف بايدن فيما يخص إسرائيل. وكانت هاريس أحد الوجوه البارزة في مؤتمرات "أيباك" منذ عام 2017. وقالت، في أحد مؤتمرات اللوبي اليهودي في أميركا، "أستطيع أن أتذكر الصناديق التي كنا نحملها من أجل جمع الأموال لزرع أشجار في إسرائيل". وهي كانت زارت مع زوجها اليهودي دوغلاس إيمهوف إسرائيل والضفة الغربية المحتلة. كما أنها كانت أحد الداعمين الرئيسيين لقرار في مجلس الشيوخ في يناير/كانون الثاني 2017، والذي ينتقد إدارة أوباما لعدم استخدام حق النقض في وجه قرار لمجلس الأمن يدين السياسات الاستيطانية لإسرائيل.
وعلى الرغم من أنها، مثل بايدن، تفضل حل الدولتين، فإنها كانت أثلجت صدر قادة "أيباك" والداعمين للاحتلال بدعمها "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" في وجه هجمات حركة "حماس" من قطاع غزة. وأعلنت، بحسب "هآرتس" أنها لا تعتقد أنه يجب على الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل من أجل التوصل للسلام مع الفلسطينيين لأنه "لا يمكن فرض حل على أطراف خارجية".

العلاقة مع الصين وإيران

في المقابل، تعرف كامالا، ومعناها بالهندي "زهرة اللوتس"، بمواقفها المناهضة لترامب في عدد من ملفات السياسة الخارجية، وهي عارضت قرار الرئيس الأميركي حظر دخول المسلمين من عدة دول في يناير/كانون الثاني 2017. كما انتقدت التقارب بين واشنطن وبيونغ يانغ، إذ ترى أن ترامب غير مؤهل للتعامل مع "ديكتاتور محنك" مثل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وتعارض مواقف الرئيس المعادية للصدام مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقاربه غير المبرر من روسيا وعلاقاته الجيدة برئيسها فلاديمير بوتين. كما يعرف عنها معارضتها القوية للسياسات الصينية حيال حقوق الإنسان، خصوصاً أقلية الأيغور المسلمة. وهي تناصر حقوق سكان هونغ كونغ، وتعارض ممارسات الصين التجارية غير العادلة.
وأيدت هاريس الاتفاق النووي الذي وقّعته إدارة أوباما مع إيران، واعترضت على انسحاب إدارة ترامب منه لاحقاً، وترى ضرورة التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين لضمان تنفيذ إيران تعهداتها. وكانت أعلنت، خلال إحدى المناظرات، ضرورة عودة الولايات المتحدة، تحت إدارة جديدة، إلى الاتفاق النووي مع إيران "مع ضرورة توسيعه".
وبخصوص السعودية، تبنت هاريس مواقف متشددة من المملكة، خصوصاً بعد مقتل الكاتب الصحافي جمال خاشقجي. وهي ترفض بشدة حرب التحالف السعودي الإماراتي في اليمن، ودعمت قرارات حظر تصدير السلاح للرياض بسبب حرب اليمن وانتهاكاتها لحقوق الإنسان.

تقارير دولية
التحديثات الحية

المساهمون