كارثة الطائرة:مصر متمسكة بسياسة الإنكار وثلاثة سيناريوهات روسية للرد

18 نوفمبر 2015
الصورة
تعنّت مصري في الاعتراف بوجود قصور أمني(محمد الشاهد/فرانس برس)
+ الخط -
لم يدم الصمت الرسمي المصري طويلاً إزاء حسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واستخبارات بلاده، أمس الثلاثاء، أن الطائرة الروسية المنكوبة في سيناء نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سقطت بفعل عمل إرهابي عبر زرع قنبلة يدوية فيها بقوة تعادل 1.5 كيلوغرام من الـ"تي أن تي"، ما أدى إلى انشطارها في الجو، والتوعد بردٍ قاسٍ بدأت ملامحه من سورية. لكن لم تبدل الحكومة المصرية من سياسة الإنكار التي اعتمدتها منذ وقوع الكارثة. واكتفت الحكومة بالقول إنها "أخذت علماً" بنتائج التحقيقات من دون أن تنتقل إلى مرحلة الاعتراف بصحتها.

سياسة الإنكار المصرية

وقال رئيس الوزراء، شريف إسماعيل، "سنأخذ بعين الاعتبار ما توصل إليه الجانب الروسي بشأن تحقيقات الطائرة المنكوبة"، لافتاً إلى أن "السلطات المعنية سوف تضمّن تلك التحقيقات فور ورودها، في عملية التحقيق الشاملة التي تقوم بها اللجنة المشكلة من جميع الأطراف الدولية المعنية بالحادث، تمهيداً لاتخاذ اللازم وفقاً للقواعد الدولية الخاصة بالتحقيقات في حوادث الطيران، لاستكمال الإجراءات اللازمة".

من جهته، أشار وزير الطيران المدني المصري، حسام كمال، إلى أنّ "اللجنة الدولية المشكلة من الدول المعنية والخاصة بالتحقيق في حادث تحطم الطائرة الروسية لم تصل حتى هذه اللحظة إلى نتائج نهائية بشأن أسباب تحطم الطائرة، وحتى اللحظة لا يوجد دليل جنائي بشأن الحادث". وأوضح أن تحقيقات الحوادث تأخذ وقتاً طويلاً، يصل إلى سنة أو أكثر، للوصول لنتائج حاسمة. وأكد أن اللجنة الدولية، بمختلف الجنسيات المشاركة في تحقيقات حادث الطائرة، هي المنوط بها الإعلان عن نتائج التحقيقات التي تصل إليها.
وجاءت تصريحات إسماعيل وكمال من شرم الشيخ، بعدما كان مجلس الوزراء المصري قد عقد اجتماعه اﻷسبوعي صباح أمس الثلاثاء فيها، بالتزامن مع اﻹعلان الروسي عن العمل اﻹرهابي، وذلك في "رسالة طمأنة للعالم" بأن اﻷوضاع اﻷمنية على ما يرام في هذا المنتجع السياحي، والذي يعدّ الوجهة اﻷولى للسياحة في البلاد.

اقرأ أيضاً رئيس الوزراء المصري:حادث الطائرة الروسية ما زال قيد التحقيق 

لكن في موازاة سياسة الإنكار الرسمية المعتمدة من السلطات المصرية، أفاد مصدر في وزارة الطيران المصرية لـ"العربي الجديد" بأنّ جميع الموظفين المختصين برحلة الطائرة الروسية يخضعون للتحقيقات منذ أسبوع، وتم التحفظ على بعضهم من دون صدور قرارات حبس رسمية.
وبينما لم تبد النيابة العامة المصرية، والتي تشارك في التحقيق والاستجواب أي رد فعل تجاه اﻹعلان الروسي، أوضح المصدر نفسه لـ"العربي الجديد" أنّ قوات اﻷمن شنّت حملة في شرم الشيخ أمس تستهدف عدداً من المشتبه بعلاقتهم بأنشطة التهريب عبر الطيران وأصحاب السجل اﻹجرامي في هذا المجال. ورجّح المصدر أن يكون تنظيم "وﻻية سيناء"، التابع لتنظيم "داعش"، قد استطاع زرع القنبلة أو العبوة الناسفة في قسم اﻷمتعة في الطائرة الروسية المنكوبة، عن طريق اختراق التنظيم مجموعة أو عصابة من مهربي البضائع معتادي التعاون المشبوه مع أجهزة اﻷمن، حيث تم وضع العبوة الناسفة وكأنها بضاعة يراد تهريبها إلى روسيا، وذلك لتمريرها بعيداً عن أجهزة التفتيش والمراقبة.

وبحسب المصدر نفسه، فإنّ "مطار شرم الشيخ يشهد سنوياً ضبط عشرات المحاولات لتهريب بضائع ومخدرات وأشياء أخرى إلى روسيا تحديداً، عن طريق اختراق عصابات معينة للأجهزة الأمنية بالمطار، وتمرير المراد تهريبه من دون المرور على أجهزة التفتيش".
وأشار المصدر إلى أن هذا السيناريو قد يكون الوحيد المقبول، والذي تبحث الشرطة المصرية على أساسه "ﻷنه من المستحيل أن يعمد رجال أمن مصريون لتفجير الطائرة، حتى لو كانوا مرتشين ويسهلون تهريب البضائع، لعلمهم بالأثر البالغ التي قد يترتب على الواقعة".
من جهته، قال مصدر آخر يعمل في وزارة السياحة المصري، إنه "يوجد انقسام حكومي حول القضية برمتها، وأن هناك شخصيات تضغط بقوة لإقناع رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي وباقي المسؤولين للتسليم بنتائج التحقيقات الروسية والاعتراف بالقصور اﻷمني، باعتبار أن هذا هو السبيل الأسهل لعودة العلاقات السياحية بين مصر وروسيا وغيرها من الدول إلى ما كانت عليه".
ووفقاً للمصدر، فإنّ "السيسي حتى اﻵن يستجيب لنصائح أمنية واستخبارية بعدم الاعتراف، وبانتظار التقرير النهائي للجنة التحقيق، بحجة أن هذا السلوك سيكرّس صورة مصر كدولة ﻻ تخضع للضغوط". واعتبر المصدر أن "كلام الدوائر اﻷمنية عن المؤامرة الدولية على مصر مثير للسخرية، ونحن في وزارة السياحة وباقي الوزارات في المجموعة اﻻقتصادية ندرك جيداً أن مشاكل تأخر اﻻعتراف بالقصور اﻷمني أكبر بكثير من آثار الحادث نفسه، وسيفقد مصر كثيراً من مصداقيتها الدولية".
وفي ظل هذا التخبط الحكومي، وميل رأس النظام إلى إهدار مزيد من الوقت بحجة انتظار تقرير لجنة التحقيق النهائي، يطرح كلام الرئيس الروسي عن ملاحقة مرتكبي الحادث اﻹرهابي أياً كانوا، سيناريوهات عديدة لطبيعة الرد داخل الأراضي المصرية وحتى للتعامل مع نظام السيسي.

ثلاثة سيناريوهات للرد الروسي

إعلان بوتين السريع عن تشديد الهجمات على مواقع "داعش" في سورية، يفتح الباب أمام سيناريو التدخل العسكري المباشر في سيناء، تحت مسمى توسيع حرب روسيا على اﻹرهاب أو كمساعدة للجيش المصري في حربه على "داعش" في سيناء، والتي تكشف كل المؤشرات أنها ﻻ تسير في الطريق الصحيح، وتعجز عن حصر اﻹرهاب في مناطق شمال شرق سيناء.
وعلى الرغم من نفي الكرملين، أمس، أي نية للتدخل البري في سورية، أبرز معاقل "داعش"، وهو ما يجعل من التدخل المباشر في سيناء غير مرجحاً، إلا أن التوجه الروسي للانتقام بدا حاسماً بعد تطورات الأمس في سورية واعتبار موسكو أن "تفجير الطائرة هو من ضمن الأعمال الإرهابية الأكثر دموية في تاريخ البلاد، فضلاً عن تعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن بلاده "ستجد الإرهابيين الذين قاموا بتفجير الطائرة الروسية في أي مكان في العالم وسنعاقبهم"، موعزاً إلى الاستخبارات الروسية مهمة الانتقام، بالتزامن مع رصد موسكو مكافأة مالية قدرها 50 مليون دولار، لمن يدلي بمعلومات عن المتورطين بالحادثة"، بحسب بيان صادر عن الكرملين.

ويتوقع أن يجد السيسي نفسه في حرج حقيقي إذا ارتأى "حليفه" أن سيناء يجب أن تكون مسرحاً لعمليات فردية روسية أو حتى مشتركة مع الجيش المصري، وخصوصاً أن السيسي وإعلامه طالما حاولا إظهار روسيا باعتبارها الحليف الدولي اﻷول لمصر بعد اﻹطاحة بحكم اﻹخوان، وقد زار السيسي موسكو ثلاث مرات وأعد استقبالاً أسطورياً لبوتين في القاهرة مطلع العام الحالي. كما أن هذا السيناريو كفيل بتدمير مستقبل السياحة في سيناء لسنوات عديدة، إذ سيحولها لمنطقة عمليات عسكرية دولية. كذلك فإنه سينال من دون شك من سيادة مصر المنقوصة عسكرياً أصلاً على سيناء، وفقاً لبنود انتشار القوات في معاهدة السلام مع إسرائيل. ومن التداعيات الإضافية المتوقعة لأي تدخل أنه سيؤدي إلى تفاقم أزمة شرعية السيسي وشعبيته، فمصر في أحلك فترات تاريخها الحديث لم تسمح بمثل ذلك.
أما السيناريو الثاني المطروح فهو بسط سيطرة الاستخبارات الروسية فقط على سيناء، وتدخلها في اﻷوضاع الميدانية. وهذا السيناريو إذا وقع فلن يكون معلناً، أو سيقدم للعامة في صورة تعاون أمني بين موسكو والقاهرة، إﻻ أن آثاره ستكون واضحة للدول اﻷجنبية، وسينعكس سلباً أيضاً على حركة السياحة وسمعة الدولة المصرية.
أما السيناريو الثالث فهو فرض إجراءات معينة على اﻷمن المصري في ما يتعلق برحلات الطيران من جميع المطارات، وقد يمتد اﻷمر إلى إرسال مفتشين للمطارات لفترة زمنية للتأكد من سلامة عملية التأمين.
ووفقاً لمصدر في وزارة الطيران المدني، فإن هذا الإجراء قد يكون مقبولاً لفترة مؤقتة، لكن المؤشرات تؤكد أن روسيا وبريطانيا ودولاً أخرى قد تقبل به بشرط استمراره لفترة طويلة، غير محددة، وهو ما سيؤثر على تصنيف الطيران المصري سلباً ولن ينعكس إيجابياً بسرعة على عدد الرحلات وحركة السياحة.

وفي السياق، يقول خبير أمني إن مسألة الحديث عن مشاركة روسيا في التحقيقات حول إسقاط الطائرة، أمر وارد وطبيعي، ولكن الغريب أن يكون لديهم معلومات أكثر من الموجودة لدى الحكومة. ويضيف الخبير لـ"العربي الجديد" أن مسألة كشف مثل هذه التحقيقات من قبل روسيا، ولا يعلم أحد في مصر عنها شيئاً، يعد تقليلاً من الدولة وأجهزة الأمن المصرية. ويشير إلى أنه في مثل هذه الظروف يكون هناك تنسيق وتعاون مشترك لتوقيت إعلان هذا الأمر، ووضع ترتيبات خاصة بتوقيف الجناة. وعن حديث بوتين عن ملاحقة الجناة، يؤكد أن الأمر صعب جداً، لأن الجناة هم تنظيم "ولاية سيناء"، وبالتالي فإن معنى حديث بوتين هو المشاركة في العمليات ضد هذا التنظيم. ويشير إلى أن التعاون الأمني وارد لمكافحة الإرهاب بين مصر وروسيا، لكن تواجد قوات روسية في سيناء أمر يقلل من شأن مصر.
بدوره، يستبعد الخبير العسكري، يسري قنديل، مشاركة قوات روسية في العمليات في سيناء، في ظل توجيهات بوتين بملاحقة الجناة المسؤولين عن إسقاط الطائرة. ويقول قنديل لـ"العربي الجديد"، إن حديث بوتين وتنفيذه بصورة المشاركة في العمليات، أمر يحتاج إلى موافقة الجانب المصري والتنسيق بين الطرفين، كما أن الوضع لا يحتاج إلى مشاركة قوات. ويعتبر أن الأمر لن يتخطى مسألة التبادل المعلومات حول تنظيم "داعش" الإرهابي، وإمداد الجيش بالأسلحة التي تمكنه من مواجهة هذا التنظيم. ويذهب إلى أن الجيش المصري قادر على مواجهة الإرهاب وأن ما حدث هو خلل أمني في أجهزة تأمين المطار.

اقرأ أيضاً روسيا: الطائرة تحطمت نتيجة عمل "إرهابي".. وبوتين يتوعّد الجناة 

تفاقم مأزق النظام

واﻷكيد أن نظام السيسي سيعاني سياسياً داخلياً وخارجياً في الأشهر المقبلة، ليس بسبب القصور اﻷمني المعتاد في مصر، والذي بلغ ذروته، أو الفشل المتكرر في سيناء وعدم تحقيق النجاح المنشود لحملة الجيش في شبه الجزيرة، وإنما بسبب أكاذيب "العطل الفني وانفصال الذيل وغياب الدليل على التخريب" التي روّجها النظام عبر إعلامه عن ملابسات قضية الطائرة منذ اليوم اﻷول للحادث، ثم نفتها جميع التحقيقات والمعلومات الاستخبارية التي توالى ظهورها. ويضاف إلى ذلك عدم اتخاذ أي خطوة بمعاقبة المسؤولين أو إقالة وزيري الطيران والداخلية.
وتلقّى السيسي صدمة بعد قرار روسيا حظر الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ، وتطور الأمر إلى حظر وصول رحلات مصر للطيران إلى روسيا، فضلاً عن إجلاء السياح. ولم تكن جميع القرارات التي اتخذتها روسيا في سياق التنسيق مع الجانب المصري، إذ لم يتم إعلام الحكومة المصرية والسيسي بهذه القرارات إلا من خلال وسائل الإعلام.
وبات السيسي في مأزق كبير في ضوء عدم كشف الحكومة أو لجنة التحقيق في سقوط الطائرة عن أي معلومات حول سقوط الطائرة، ولا سيما أن أغلب التصريحات كانت تركز على استبعاد وجود عامل إرهابي وراء إسقاطها.
وفيما يُطرح سؤالٌ حول العلاقات المصرية الروسية بعد هذه التطورات، يقول الخبير الأمني حسين حمودة، إن مسألة إعلان روسيا عن وجود عامل إرهابي وراء سقوط طائرة الركاب في سيناء، من دون الرجوع إلى مصر، يعد تجاهلاً شديداً. ويضيف حمودة لـ"العربي الجديد"، أن هذا الإعلان لم يكن ليأتي إلا بعد التأكد بنسبة كبيرة للغاية بأن قنبلة من داخل الطائرة تسببت في سقوطها، وبالتالي هذا ينافي الروايات الرسمية المصرية. ويلفت إلى أنه "في الوقت الذي أعلنت فيه أجهزة استخبارات أجنبية وجود قنبلة أسقطت الطائرة أو على الأقل أن الحادث إرهابي، تقف أجهزة الأمن والاستخبارات عاجزة عن تحديد السبب". ويشير حمودة إلى أن روسيا طرف رئيس في التحقيقات حول سقوط الطائرة، وهو ما يعني أن التحقيقات توصلت بشكل كبير إلى سبب الكارثة، وتعلمها الحكومة المصرية ولم تعلنها". ويرى أن مسألة توجيه بوتين صفعة للسيسي هي أمر ينطوي على كثير من التهويل، ولا سيما أن العلاقة بينهما لم تكن صداقة بين شخصين، وإنما هي في إطار التعاملات الدولية. ويلفت إلى أن الكارثة الحقيقة والحرج الشديد الذي تلقته مصر، هو أن كل المعلومات حول سقوط الطائرة لم تعلن من الداخل وإنما من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا.

اقرأ أيضاً: داعش .. من سنجار إلى باريس

المساهمون