كارثة الأمطار تكشف صراعات خفية بين أذرع السيسي

كارثة الأمطار تكشف صراعات خفية بين الأذرع الإعلامية للسيسي

28 ابريل 2018
الأمطار أغرقت شوارع القاهرة (فيسبوك)
+ الخط -
"سعادتي بالغة بتطوير طريق القاهرة ــ العين السخنة"، هكذا تحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، قبل أيام قليلة، أثناء تفقده أعمال تطوير الطريق الرابط بين القاهرة وشرقها، مروراً بالعاصمة الإدارية الجديدة، والذي يشرف على تنفيذه شركات "من الباطن" تابعة للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، والذي تصدعت أجزاء كبيرة منه من جراء الأمطار الغزيرة التي شهدتها البلاد مؤخراً.

وشهدت المحافظات المصرية هطول أمطار غزيرة، وبخاصة في العاصمة القاهرة، وهو ما ألحق ضرراً بالغاً بضاحية "التجمع الخامس" الراقية، التي نشر سكانها صور الشوارع، ومرأب السيارات، ومراكز التسوق المغمورة بالمياه، على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، مستنكرين مدى تردي البنية التحتية للمنطقة "الراقية".

وطاولت الخسائر مواقع عدة، سواء بطريق القاهرة – العين السخنة الجديد، أو غيره من الطرق الفرعية بمناطق شرق القاهرة، وهو ما يكشف أكذوبة تطوير الطرق في عهد السيسي، والذي قال في ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، إنه "أنجز الكثير على مستوى البنية التحتية، وفق خطة شاملة لتحسين شبكة الطرق، ورفع كفاءات الموانئ البحرية والجوية".

وظهرت بوضوح حالة الارتباك على الأذرع الإعلامية لنظام السيسي على مدار الأيام الماضية، والتي حمّلت محافظ القاهرة تارة، والبرلمان تارة أخرى، مسؤولية الكارثة، في محاولة للتغطية على فشل النظام الحاكم، ومن ورائه "بيزنس الجيش"، وكشفت التعليمات الواردة إلى كل مذيع، بحسب الجهة الاستخباراتية التابع لها، عن حجم الصراعات الخفية بينها، خاصة في القنوات المملوكة لأجهزة الاستخبارات.

وزعم الإعلامي أحمد موسى أن ما حدث من غرق شوارع "التجمع الخامس" بعد هطول الأمطار "ليس تقصيراً"، بحجة أن الأمطار ظاهرة طبيعية تحدث في كافة بلدان العالم، مضيفاً في برنامجه المذاع على قناة "صدى البلد" الفضائية، أنه كان يتوجب وضع بعض الخطط للاستفادة من الأمطار، بدلاً من الفشل في التعامل مع الأزمة، بعدما وصف نظام شفط المياه في المدن الجديدة بـ"الفاشل".



بدوره، قال الإعلامي تامر أمين إن "إقليم القاهرة الكبرى لم يكن مستعداً لاستقبال هذه الكميات الغزيرة من المطر، وكان يمكن التماس العذر لما حدث في القاهرة الجديدة إذا ما وقع بمناطق عشوائية، لأنها ليس بها مرافق جيدة"، مستدركاً في برنامجه المذاع على قناة "الحياة" الفضائية، بأن الأمر يعد "كارثة" لأنه طاول منطقة لم يتجاوز عمرها 15 عاماً، وتعد الأعلى سعراً في البلاد.

ووصف أمين ما حدث بـ"النكبة"، لعدم وجود "بالوعات" لصرف المياه في منطقة راقية كالتجمع الخامس، التي كان من المفترض أن تنفذ بتخطيط، وفق بنية تحتية على أعلى مستوى، معتبراً أن "الحسنة الوحيدة" فيما حدث هو أن بعض المسؤولين عن الكارثة من قاطني القاهرة الجديدة، وغرقت منازل العديد منهم شأن بقية المواطنين.



في المقابل، هاجم الإعلامي أسامة كمال، وزير التنمية المحلية، اللواء أبو بكر الجندي، لفشل أجهزة وزارته في التعامل السريع مع الأمطار الغزيرة التي ضربت العديد من المحافظات، وتصريحاته الأخيرة عن أن أزمة الأمطار تحدث في جميع دول العالم، على اعتبار أن الأمطار كانت كثيفة، وغير متوقعة، وجاء هطولها على فترات قصيرة.

وحمّل كمال مجلس النواب جانباً من المسؤولية عن الأزمة، برغم أن دوره يقتصر على التشريع والرقابة، إذ هاجم وكيل لجنة الإسكان في البرلمان، خالد عبد العزيز، قائلاً له إن "النواب لم يتفاعلوا مع أزمة الأمطار، ولم يتحرك أي من أعضاء اللجنة النيابية المختصة لبيان ما حدث على الأرض، بل اكتفوا بإطلاق التصريحات من داخل مكاتبهم أثناء هطولها".

كذلك، انتقد المذيع محمد فتحي، المحسوب على ما يسمى بـ"شباب الإعلاميين"، والذين يجرى تجهيزهم لتصدر المشهد الإعلامي، عدم اعتذار محافظ القاهرة، عاطف عبد الحميد، عن ما تعرضت له العاصمة من شلل مروري، وانقطاع للخدمات، وغرق للشوارع، قائلاً في برنامجه المذاع على راديو "دي أر إن": "عيب جداً تغرق القاهرة في شبر ميه، في وقت نتحدث فيه عن المدن الجديدة، والمستقبل، والتقدم".

من جهته، أصدر النائب العام المصري، نبيل صادق، قراراً عاجلاً، أمس السبت، بتكليف هيئة الرقابة الإدارية بإعداد تقرير مفصل عن مواطن التقصير في الأداء من قبل الجهات، والأشخاص المسؤولين عن جهاز مدينة القاهرة الجديدة، وكذا أجهزة الدولة المعنية بالأمر، بشأن تراكم مياه الأمطار في مناطق التجمع الخامس.

وأوقفت هيئة الرقابة الإدارية بعض المسؤولين في جهاز مدينة القاهرة الجديدة عن العمل، بدعوى تنفيذ توجيهات السيسي بالوقوف على الأسباب الفنية والموضوعية التي أدت إلى وقوع الأزمة، وتحديد المسؤوليات بشأنها، عقب سابقة التحذيرات الصادرة عن الهيئة العامة للأرصاد الجوية لكافة الجهات بالدولة بتعرض البلاد إلى رياح شديدة يصاحبها سقوط أمطار، تصل للسيول في بعض المناطق.

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم، أولى السيسي اهتماماً كبيراً بالرقابة الإدارية، حيث أجرى تعديلات واسعة على هيكلها، دافعاً بأعداد كبيرة من ضباط الاستخبارات الحربية والاستخبارات العامة للعمل بها بدلاً من ضباط الشرطة، وعيّن صديقه أثناء فترة خدمته بالجيش، محمد عرفان، رئيساً للهيئة في العام 2015، ونجله مصطفى السيسي، كعضو بالمكتب الفني لرئيس الهيئة.

وأفادت الهيئة بأن الفحص والمعاينة والتحري أظهر أن هطول الأمطار بكثافة فاق القدرة الاستيعابية لمحطات الرفع، وما تلاها بارتفاع منسوب المياه بعدد من محطات الرفع، وأدى لارتدادها، وإحداث تجمعات مائية كبيرة أخذت طريقها لمحطة محولات كهرباء، ما أدى لانقطاع التيار الكهربائي، وتوقف عمل محطات الرفع بالمدينة لفترات طويلة، نتيجة خلل جسيم بنظام الصرف فى القاهرة الجديدة برمتها.

وكشفت أزمة الأمطار التي حلت على القاهرة مدى تردي البنية التحتية للمناطق الثرية، والفقيرة، والقديمة، والحديثة، على حد سواء، وزيف الأحاديث المصطنعة بين المسؤولين البارزين الذين يعتمد عليهم السيسي لتكريس سيطرته على أجهزة الدولة، بعدما عمد بعضهم إلى تسليط الضوء على القصور في عمل الآخرين، بهدف الاستحواذ على رضا رئيس البلاد.

وعقد السيسي اجتماعاً عاصفاً مع رئيس حكومته، شريف إسماعيل، وعدد من الوزراء المسؤولين، نتيجة غضبه من ردة الفعل الشعبية تجاه فشل أجهزة الدولة في التصدي للأمطار الغزيرة، وافتضاح سوء حالة المرافق، حتى في المناطق الأحدث، والأكثر تطوراً كالقاهرة الجديدة، التي دائماً ما يفاخر رئيس البلاد بافتتاح مشاريع الطرق والمرافق بها.

وحمّل وزير الإسكان، مصطفى مدبولي، أحد أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الحكومة في التغيير الوزاري المتوقع حدوثه في يونيو/ حزيران المقبل، الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المسؤولية، وباقي شركات المقاولات المتعاملة معها، عن سوء تنفيذ الطرق تحت ضغوط سرعة تسليمها، من دون الالتزام بالشروط الأصلية الموضوعة.

ويعمد السيسي للضغط على الأجهزة الحكومية لإنهاء الأعمال الإنشائية للمرافق والطرق في وقت أسرع من المخطط له، وتسليمها قبل مواعيدها المتوقعة، كمدعاة للتفاخر أمام المواطنين بسرعة الإنجاز، بغض النظر عن كفاءة التنفيذ، وهو ما أدى لظهور عيوب في المشاريع المسلّمة بعد افتتاحها مباشرة أكثر من مرة، خصوصاً في مجال الطرق والجسور.

وفي محاولة يائسة لتدارك الموقف، كان السيسي قد غرد على حسابه الرسمي بموقع "تويتر"، قائلاً: "‏أتفهم تماماً حالة المعاناة التى ألمت ببعض المصريين نتيجة الآثار الناجمة عن تساقط الأمطار بشكل مفاجئ، وغير معتاد عليه خلال اليومين الماضيين.. وأؤكد أن الدولة بكافة أجهزتها ستكثف من جهودها لتلافي حدوث مثل هذه الآثار مرة أخرى".

ولم تفلح التغريدة في الحد من الهجوم على السيسي، من جراء فشل أجهزته في مواجهة أزمة الأمطار، إذ ذكر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بتصريحاته السابقة عن شبكة الطرق، وقوله: "‏‎هانعمل شبكة طرق في سنة واحدة هاتخلي مصر كده (ملوحاً بقبضة يده)"، مدشنين وسم #انزل_عوم_فالإنجازات، لفضح الإنجازات "الوهمية" بعدما غرقت البلاد في مياه الأمطار.



إلى ذلك، تقدم عدد من أعضاء البرلمان بطلبات إحاطة موجهة إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزيري التنمية المحلية والإسكان، حول فساد منظومة الصرف الصحي في مصر، وتصدع البنية التحتية للعديد من المباني السكنية في المناطق الأحدث من جراء أزمة الأمطار الأخيرة، بالرغم من التحذيرات المسبقة لهيئة الأرصاد الجوية.

وطالب النواب بسرعة التحقيق مع المسؤولين عن شبكة الصرف الصحي، ومحطات الصرف، وتوقيع العقوبة عليهم، بعدما ظهر عدم قدرة الشبكة والمحطات على تحمل أمطار لم تتعد فترتها الزمنية ساعة واحدة، وكشف التدابير التي سيتم اتخاذها للحفاظ على أحياء القاهرة الجديدة، ومنع تكرار ما حدث مرة أخرى في حالة سقوط الأمطار مجدداً.

المساهمون