كأنه "بلوكاج" في تونس؟

09 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ليست الصورة السيئة التي بدا عليها مجلس النواب التونسي، أول من أمس، لمّا آثرَت كتلةٌ نيابيةٌ الفوضى، فتعطّلت الجلسة المخصّصة لمناقشة موازنة الدولة لعام 2020، ليست وحدَها التي تنبئ بأن ثمّة عطبا ليس هيّنا في أداء نخبةٍ عريضةٍ من الفاعلين السياسيين في هذا البلد. وهذا الازورار الذي يمارسه أكثر من حزبٍ سياسيٍّ عن إبداء الإيجابية في مشاورات تشكيل الحكومة يدلّ على هذا العطب، بل يوضح أن ثمّة لدى قيادات هذه الأحزاب أفضليةً للمناكفة والمكايدة والتأزيم والتعطيل والاستعراضية على التشاركية والتعاون والتلاقي. والبادي أن إيثار هذه الممارسات يتعاظَم لدى هؤلاء عندما يجدون قدّامهم حزبا إسلاميا، أو ذا لون إسلامي. وهذه ثلاثة أسابيع تنقضي في مداولاتٍ عسيرةٍ أمضاها المكلف بتشكيل حكومة ما بعد انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي التشريعية، الحبيب الجملي، مع أحزابٍ لديها كتلُها في البرلمان الجديد، ولم ينجح الرجل في بناء فريقٍ حكومي، قال إنه حريصٌ على أن يكون فريقا "ذا قدرةٍ على قيادة الوزارات بكفاءةٍ عالية، ومتحليا بالنزاهة". وليس باديا إن انفراجا في الأمر يقترب، ما قد يُنذر بأن تونس قد تكون أمام "بلوكاج" (انسداد) حكومي، قد يأخذُها إلى انتخاباتٍ نيابيةٍ ثانية، أو يعتذر الجملي، بعد تعسّر مشاوراته، فيتم تكليف شخصيةٍ أخرى، تحت ظروف تخصم من أحقية حركة النهضة بتسمية رئيس الحكومة، بموجب تصدّرها نتائج الانتخابات أخيرا (53 مقعدا)، أو أي سيناريو آخر ليس في الوسع ترجيحه أمام استحسان أحزابٍ حاضرةٍ في البرلمان الجديد المتاهة والتعطيل على البحث عن استقرارٍ حكومي، يدير عجلة الدولة وسط استحقاقاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ صعبة، من عناوينها تباطؤ النمو الاقتصادي، وعجز تجاري متواصل. 
لأن حركة النهضة ذات سمْتٍ إسلاميٍّ معلن، نجدنا مضطرين إلى استدعاء "البلوكاج" غير المنسي الذي لم يتمكّن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السابق في المغرب، عبد الإله بنكيران، من حله، لمّا كلفه الملك محمد السادس بتشكيل حكومة ما بعد انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2016، بموجب تصدّر حزبه (الإسلامي اللون)، فأمضى الرجل ستة أشهر، وكان يروم توسعة الأغلبية الحكومية، غير أن حزبا ضعيف الحضور في البرلمان استنزفه بشروطٍ صعبة، فكان "البلوكاج" الذي لم يتفكّك إلا بإزاحة بنكيران، وتكليف سعد الدين العثماني (من الحزب نفسه) بتشكيل الحكومة، وهو ما أنجزه في عشرين يوما، بعد تلبيته شروطا، لم يتزيّد زملاءُ، في حينه، لما صفوها انقلابية. وربما يكون الوقت مبكّرا أن يستعجل واحدُنا تخمين أن شيئا من أمرٍ كهذا هو ما تُغالبه حركة النهضة التي سمّت الحبيب الجملي رئيسا للحكومة، فكلّفه رئيس الجمهورية قيس سعيد.
ليست القصة في جوهرها أن "التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب" انسحبا من مفاوضات تشكيل الحكومة مع المهندس الزراعي الجملي، ولا أن حزبا وآخر يطلبان هذه المناصب الوزارية وتلك. ولسنا مضطرّين للتعامل بصدقيةٍ مع كل بيانٍ يصدره أي حزبٍ في تونس عن "عدم جدّية" الجملي، ولا عن "إصراره على إنتاج الفشل"، كما قالت حركة الشعب، فبياناتٌ حزبيةٌ كهذه تخاطب جمهورا خاصا، سيما وأن النزوع الغالب لدى أحزابٍ غير قليلة في تونس هو أفضلية المعارضة المريحة، غير المكلفة، على المشاركة مع حركة النهضة في حكومةٍ عليها أعباءُ ثقيلةٌ في ملفاتٍ ضاغطةٍ اقتصاديا واجتماعيا. القصة بالضبط هي في التعامل مع مسألة الحكم، مع ما تشتمل عليه من مسؤولياتٍ في إدارة الدولة بمختلف قطاعاتها، كما لو أنها حيازة مقاعد في هيئةٍ إداريةٍ في ناد رياضي، أو نقابة أطباء أسنان، أو اتحاد طلاب. وهذه عقليةٌ لا تعرف معنى السياسة، بل وتخشى السياسة، وليست في الأصل أهلا لمزاولتها.
مؤسفٌ أن الحال الموصوف هنا لا يعني أن ثمّة برامج تتصادم، أو خططا تتنافس، أو مرئياتٍ تتبارى. وإنما هو الافتقاد إلى ترقية المصلحة الوطنية على المحاصصات الحزبية، مع نقصان في الكفاءة المهنية. وربما كان صحيحا ما قاله رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، إن بلاده تشهد أزمةً سياسيةً وأخلاقيةً قبل أن تكون اقتصادية واجتماعية.. يُؤمل ألا يكون هذا كلاما جدّيا، إذا لم نشهد "بلوكاجا" تونسيا لا نستحسنه لبلد ثورة الياسمين.