قيس سعيّد بين الغموض والوضوح

23 أكتوبر 2019
الصورة
لم يحدُث أن حصل رئيس أو زعيم عربي، في أيام معدودة، على كل الشهرة التي حصل عليها الأكاديمي التونسي، قيس سعيد، الذي أصبح رئيسا للبلد الذي عرف شبابه بأنهم من أطلقوا صيحة الاحتجاج الأولى بوجه الأنظمة التي أغلقت أمامهم أبواب الحياة الحرّة والعيش الكريم، وهم أول من رفع راية "ثورة الياسمين" في شخص مواطنهم، محمد البوعزيزي، الذي أحرق نفسه، ليضيء الطريق أمامهم. 
ومع أن سعيد حظي بكل هذا الألق دفعة واحدة، واستولى على مساحاتٍ شاسعة في مواقع التواصل وشاشات الفضائيات والصحافة في زمن قصير، إلا أن التحليلات التي ظهرت هنا أو هناك رسمت سيرة مصنوعةً تؤسس له علاقات مركّبة متشابكة متناقضة بالدين والتراث واللغة والناس والأحزاب والنخب السياسية والقوى الخارجية، وكل منها يصل إلى النتيجة التي يريدها، ويبني عليها ما يوافق رؤاه، وكأن كل واحدٍ من هؤلاء المحللين يسعى إلى شيطنة سعيد، لحسابه أو لحساب الحزب أو المنظومة التي ينتمي إليها، ومنهم من لجأ إلى إعادة إنتاج سيرة الرئيس الأكاديمية، مفترضا مواقف ووجهات نظر وآراء ملتبسة وقاصرة عن اللحاق بمشكلات تونس الحالية، وآفاق حلها إلى درجة أن نفى عنه، وهو المختص بالدساتير وإدارة الدولة، والناشط في العمل العام والشارح لحقوق الإنسان، أية خبرة أو معرفة بشؤون الدولة، وكل ذنبه أنه لم يدخل في نادي الطبقة السياسية التقليدية التي حكمت تونس عقودا، وهي الطبقة التي استثمرت العمل العام في صفقاتٍ وعقودٍ وموازنات، وأدت إلى استشراء الفساد وإفقار المواطن البسيط.
أظهر بعضٌ آخر، بنيةٍ حسنة أو بعكسها، نوعا من الشفقة على رئيسٍ جديد، لا يمتلك من الصلاحيات، بحسب الدستور، ما يمكّنه من مواجهة الضغوط التي قد تفرضها عليه الطبقة السياسية التقليدية. وقد يدفعه ذلك إلى الانحناء أمامها، أو السقوط في مهاوي الفشل، خصوصا أن عليه أن يتعايش مع حركة النهضة التي ستسمي رئيس الحكومة، بحكم كونها صاحبة الأغلبية البرلمانية. هنا تركز هذه الطائفة من المحللين على احتمال التصادم بين الرأسين، تاركة الاحتمال المعاكس جانبا، وهو أن يتم التوافق والتنسيق بينهما وصولا إلى تشكيل رؤية موحدة لمعالجة مشكلات تونس.
هناك أيضا من أراد أن يسبب له مشكلة مبكرة مع الاتحاد التونسي للشغل الذي له رؤيته في 
المشكلات الاقتصادية التي تحيق بالبلاد، والتي يزعم أنها قد تتناقض ورؤية سعيد، وآخرون أثاروا موقفه من دور المرأة في الحياة العامة، وادعاء مناهضته حريتها وحقوقها. لكن مبادرته، في اليوم الأول بعد إعلان فوزه، مهاتفة رئيسة اتحاد تونس للتعبير عن إيمانه بدور المرأة التونسية في العمل العام، قطعت الطريق على هؤلاء.
أما شعار "الشعب يريد" الذي تبنّاه في حملته الانتخابية، فقد أصبح لدى بعضهم معيارا لقياس "شعبويته"، وللنأي به عن "الثورية" التي يلصقها هؤلاء بمنافسٍ له، وقد وجدوا في بعض ما اعتاد سعيد فعله ضالتهم في التدليل على ما زعموه، ومن ذلك زيارته المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، والسلام على رواده، أصبحت واحدةً من الأدلة "الخطيرة" على شعبويته.
تبقى القضية الأكبر التي أثارت لغطا ونقاشا كثيريْن أن قيس سعيد أعلن جهارا إنه ضد التطبيع مع إسرائيل، معتبرا ذلك "خيانة وطنية"، وقد اشتغلت ماكنة "التطبيع" في الساعة التي أطلق فيها سعيد عبارته هذه، ووصلت إلى حد أن أكاديميا وكاتبا عربيا معروفا وقف جهارا أيضا ليعلن "أن مد اليد إلى الإنسان الإسرائيلي على أساس المساواة... قد لا يكون ألبتة خيانة عظمى، بل قد يرى فيه بعضهم واجبا إنسانيا تجاه المجتمع الإسرائيلي، كما تجاه المجتمع الفلسطيني"، داعيا سعيد إلى إعادة النظر في موقفه "لأن السلام القائم على صلح تاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين يحفظ للجميع حقوقهم غير القابلة للتصرّف". ولأول مرة نسمع عن حقوقٍ للإسرائيليين غير قابلة للتصرف، هكذا تتم المساواة بين الجلاد والضحية!
وسط هذا الكم من التعليقات والسجالات التي وضعت قيس سعيد بين حدّي الغموض والوضوح، يبقى رئيس تونس الجديد، في نظر مواطنيه، رجل المرحلة الذي استطاع أن يتجاوز "الدولة العميقة"، ويكسر حصار المؤسسة التقليدية الذي فرضته على الفضاء السياسي التونسي عقودا، وأن يحمل معهم أحلامهم في التغيير والتحول، ويتقدّم رافعا شعار "الشعب يريد". وطبعا، فإن الشعب يريد منه الكثير.

دلالات