قيس سعيد و"الشخصية الأقدر"

03 اغسطس 2020
الصورة

سعيِّد يسلِّم المشيشي خطاب تعيينه رئيسا للحكومة في قصر قرطاج (26/7/2020/الأناضول)

وضع الرئيس التونسي، قيس سعيد، ترشيحات الأحزاب والكتل البرلمانية جانباً، وفاجأ الجميع باختياره شخصية من خارجها لرئاسة الحكومة، في خطوة وصفها بعضهم بأنها قفزة غير منتظرة من الرئيس، صدمت الأحزاب وفجّرت جدلاً في المشهد السياسي بشأن الأسباب التي جعلت رئيس الجمهورية يخالف المنطق الانتخابي للمرة الثانية، في اختياره "الشخصية الأقدر" لتشكيل الحكومة الجديدة. اختار مستشاره القانوني السابق، ووزير الداخلية في الحكومة المستقيلة، هشام المشيشي، الذي تكاد ردود الأفعال السياسية والمدنية تُجمع على تثمين كفاءته وتقدير مؤهلاته العلمية (خريج المدرسة الوطنية للإدارة) وتنوّع خبراته في دواليب الدولة، علاوة على انضباطه ورفعة أخلاقه ونظافة يده، وقدرته على التواصل مع الجميع، والوقوف على المسافة نفسها من جميع الأحزاب، خلال إشرافه على مقاليد وزارة الداخلية.
وبقطع النظر عن الملامح الإيجابية التي رسمها المزاج العام للمشيشي، وعن مجمل التحدّيات الكبرى التي تنتظر حكومته، وهل سيكون تشكيل هذه الحكومة نهاية أزمة سياسية تفاقمت لتصل بالبلاد والعباد إلى حافّة الهاوية، وما رافق اختيار سعيد سابقاً إلياس الفخفاخ رئيساً للحكومة من ملابسات وتداعيات، كانت كلفتها باهظة على جميع المستويات، وكان التونسيون أكبر المتضرّرين منها، وفي انتظار أن يكتمل الملمح النهائي لشكل الحكومة الجديدة: حكومة كفاءات أم محاصصة حزبية؟ وهل ستحظى بالموافقة المريحة من الأحزاب والكتل البرلمانية لتمضي في مواجهة ما ينتظرها من استحقاقاتٍ وفق صراع الإرادات وقواعد اللعبة السياسية الذي لم يعد خافياً، وخصوصاً بين رئيسي الجمهورية والبرلمان راشد الغنوشي؟ ويتساءل التونسيون اليوم عمّا يضمره قيس سعيّد وراء اختياره شخصيةً أقدر من خارج الترشيحات الواحد والعشرين التي اقترحتها عليه الأحزاب والكتل البرلمانية، ومن بينها شخصيات ذات كفاءة مشهود لها في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

يعتبر الرئيس التونسي الأحزاب مكوّنات لا فائدة منها، وأنها جعلت للغنيمة وذاهبة للزوال، ولا يمكن أن تكون المكون الأساس للديمقراطية

في قراءة ردود أفعال الأحزاب والنخب على الطريقة والصيغة التي انتهجها قيس سعيد في اختيار الشخصية الأقدر هشام المشيشي لتشكيل الحكومة، يمكن اعتبار نهج سعيد لم يخرج عن مشروعه الذي يعتبر الأحزاب مكوّنات لا فائدة منها، وهي جعلت للغنيمة وذاهبة للزوال، ولا يمكن أن تكون المكون الأساس للديمقراطية. وهي منحازةٌ دوماً إلى مصالحها وإلى طلبات جمهورها على حساب المصلحة العامة للوطن، وعلى حساب انتظارات ملايين التونسيين الذين ثاروا من أجل "الشغل والحرية والكرامة"، ليكتشفوا بعد عشر سنوات أنهم يجنون الخيبة تلو الخيبة، وانهيار الدولة، وتردّي أوضاعهم المعيشية والاقتصادية.
ويشخّص اقتصاديون، ينحون منحى الرئيس، الوضع بأنه على درجة عاليةٍ من التعقيد والخطر، مع تفاقم شحّ موارد الدولة المالية، وانخرام توازناتها وارتفاع المديونية الخارجية، وتراجع الاستثمار الخارجي الذي بلغ 7%، فيما ارتفعت نسبة البطالة من 15% إلى 22%، أي بإضافة ما يناهز 275 ألف عاطل إلى مليون عاطل، ثلثهم من حاملي المؤهلات الجامعية، ليستمر بذلك النزف الذي عجزت مختلف الحكومات عن إيقافه.

ارتفعت نسبة البطالة من 15% إلى 22%، أي بإضافة ما يناهز 275 ألف عاطل إلى مليون عاطل، ثلثهم من حاملي المؤهلات الجامعية

ويجمع هؤلاء على أن الرئيس سعيد علّق آمالاً كبيرة على حكومة الفخفاخ بعد انتخابات 2019، القادم رئيسها من وسط ديمقراطي واجتماعي، الذي أعلن أمام البرلمان أنه يطمح إلى تحقيق نسبة نمو تقارب 3%، وها هو يغادر الحكومة بقضية شبهة فساد مالي، فيما تتحدث الأرقام عن سبع درجات سلبية للتنمية!
وفي المقابل، ذهبت قراءة أخرى حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي لسياسيين من عائلات مختلفة إلى أن قيس سعيد تعامل مع الأحزاب بصيغة السخرية و"العقاب"، وأن المقياس الأساس لديه في هذا الاختيار أن الشخصية المكلفة ستكون، وهي من عائلته القانونية، مستعدة لإعادة الأمانة إلى صاحبها عند الضرورة، لأنه لن يفرّط بورقة التكليف ومقتضيات الدستور. وهذا يفترض ألّا يكون لأي مكلف سند برلماني قد يشجعه يوماً ما على شقّ عصا الطاعة.
الواضح أن اختيار قيس سعيد وزير الداخلية، هشام المشيشي، رئيساً للحكومة، فجّر، بصورة واضحة لديه ولدى مريديه، نوستالجيا النظام الرئاسي المطلق... تقليداً قديماً في الدولة التونسية يرتاح إليه. بإيصال وزير الداخلية مباشرة إلى رئاسة الحكومة، وهو معنى لم يكن غائباً عن الرئيس، ولا عن الذين شاركوا في إنتاج هذا القرار، ما يؤشر على الرغبة لديه في وضع الخيار الأمني جاهزاً ضد من يعتبرهم منذ مدة خصومه الأساسيين. واقعياً، أصبح قيس سعيد يستأثر بكامل القرار التنفيذي حول شخصه، وحول دائرة ضيقة من الأوفياء، ممن لا ماضي سياسياً لهم، ومن المستعدين للسير في أي طريق يضعه لهم، فقد بدا من خلال المشهد التواصلي والبروتوكولي الذي ظهر عليه أخيراً، ما جعل التونسيين يستحضرون صورة الرئيس الحاكم الوحيد للبلاد. تلك الصورة التي ألفوها مع بورقيبة وبن علي سنوات طويلة، حيث يتوقف كل شيء على الرغبة الشخصية للرئيس. لذلك، يتابعه الناس في أدق تفاصيل يومه.

لدى قيس سعيد ولدى مريديه نوستالجيا النظام الرئاسي المطلق

في هذا السياق، لا يستبعد خبراء ومتابعون أن تونس أصبحت واقعياً تحت نظام رئاسي بدستور لنظام شبه برلماني معدل مع اتجاه واضح لمركزة القرار في يد شخص واحد، مستفيداً من بعض ثغرات الدستور (الفصل 89)، وخصوصاً من عدم وجود محكمة دستورية. وفي جنوحه إلى اختيار هشام المشيشي شخصية أقدر لرئاسة الحكومة، مستبعداً ترشيحات الأحزاب وخياراتها ورؤاها، قد يعتقد بعضهم أن قيس سعيد أراد معاقبة حركة النهضة التي يعتبرها المسؤولة الأولى عن إسقاط حكومة إلياس الفخفاخ، كما يعتبر (ربما) أنه كان المستهدف شخصياً من كل ذلك المسار. والواقع أن الأحزاب كافة مستهدفة من التعيين ومؤسسة البرلمان كذلك، فكأنما أراد قيس سعيّد أن يصرّح للجميع بأنّ كل ما أسفرت عنه الانتخابات أصبح واقعياً لاغياً، وأن الأحزاب ستصوّت لحكومة المشيشي مرغمة، لأنها تخشى أن يمضي الرئيس إلى إطلاق "صاروخه الثاني"، فيحلّ البرلمان، ويدعو إلى انتخابات مبكّرة.