قومي يا بيروت

09 اغسطس 2020

اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف سبعينيات القرن العشرين، واستمرت حتّى مطلع التسعينيات، وخلالها تأثر النسيج الاجتماعي اللبناني، وانقسم النّاس في المدينة الواحدة سياسيًا وفكريًا؛ لذلك تعتبر من الحروب التي حملت معها آثارًا أليمة، ما زال لبنان يعاني من نتائجها إلى هذا اليوم، واستطاع اللبنانيون تحقيق الانتصار عليها رغمًا عن كل شيء، ليعود لبنان زاهيا في ثقافته، وتاريخه، ومجتمعه.

تأثرت العاصمة اللبنانية بيروت في الحرب الأهلية، وما تبعها من تداعيات لاحقة، وكل من أحب لبنان بمدنه وقراه وأحيائه، وعشق بيروته، لم يتردد لحظة في حثّه على النهوض، والاستمرار في الحياة، لتظلّ بيروت أيقونة الحبّ، والسحر، والجمال، وفي الأدب اهتم كثيرون من الأدباء والشعراء بالتعبير عن تقديرهم وحُبّهم لمدينة بيروت، ومنهم الشاعر السوري نزار قباني الذي ألّفَ قصائد تخبر أبياتها عن عشقه لها، فهي التي عاش فيها فترة طويلة، ومن أشهر قصائده عنها قصيدة "يا ست الدنيا يا بيروت".

كتب الشاعر نزار قباني قصيدة يا ست الدنيا يا بيروت إبان فترة الحرب الأهلية اللبنانية التي شهدها أثناء استقراره في مدينة بيروت، عندما قرر التفرغ لكتابة الشعر، وتقديم نفسه كشاعرٍ فقط، وتأسيس دار منشورات نزار قباني، بعد أن عمل في السلك الدبلوماسي، وسافر إلى عددٍ من دول العالم، التي أثرت في تجربته الشعرية، وساهمت في تطوّرها، ولكن كان تأثير بيروت في شعره هو الأكثر أثرًا، بعد تأثّره الأوّل والأقرب إلى قلبه في مدينته دمشق.

لن تعرف بيروت اليأس أبدًا، ومن المؤكّد سوف تقفُ مجددًا، وتصمد أمام العواصف والأزمات كما هي دائمًا، وتعود السعادة لتنير أرجاءها

نُشِرتْ قصيدة يا ست الدنيا يا بيروت في ديوان شعرٍ بعنوان "إلى بيروت الأنثى مع حُبّي"، وكانت للقصيدة بصمتها التي لم تُمحَ حتّى هذا اليوم، فكلما قرأ الشاعر نزار قباني القصيدة في أمسية من أمسياته الشعرية، يتفاعل الحضور معها بالتصفيق المستمر، والناتج عن تأثره بمدى قوّة كلماتها، والوصف الواضح والدقيق الذي اختزل في عباراتها، مثل تكرار كلمة "قومي" التي استخدمها الشاعر مخاطبًا بيروت لتقوم مرّة أخرى بعد ما واجهته من ظروف صعبة، ولاحقًا في مطلع التسعينيات تحوّلت القصيدة إلى مغناةٍ شعريةٍ من ألحان جمال سلامة، وغناء المطربة اللبنانية ماجدة الرومي، وقد ساهم ذلك في تعزيز انتشارها بين النّاس بمختلفِ أعمارهم وأجيالهم؛ لتصبح نشيدًا يتردد في المناسبات الوطنية والاحتفالات العامة.

عاشت بيروت الكثير من الأحزان، وشهدت أحداثًا مؤلمة زادت من ثقل الحزن عليها، مع أنها حافظت على ألقها، واستمرت في الحياة، ولكن لم تنفك سلسلة الألم عن التوقف في الاستمرار، فجاءت سنة 2020 مكملة لها، بدايةً من الحالة الاقتصادية غير المستقرة، ومرورًا بجائحة كورونا، وصولًا إلى انفجار يوم الثلاثاء الرابع من شهر أغسطس، ليزيد جرحًا على جراح المدينة، بعد اندلاعه في ميناء بيروت البحري، داخل مخزن يحتوي شحنات من مادة نترات الأمونيوم المتفجرة، والمحفوظة منذ عام 2014، ولم يتم التخلص منها سابقًا، ليقع الانفجار الفظيع، والذي جاء مشابهًا للانفجارات النووية، كالانفجار النووي في اليابان أواخر الحرب العالمية الثانية.

غطت غمامة سوداء سماء بيروت مع دخان الانفجار الذي أحاط بجمالها قبل أن يخفتَ تدريجيًا، ويترك وراءه بقايا منازل مدمرة، وضحايا لا ذنب لهم، وشتات أشياء كانت نابضة بالحياة، فتجاوزت الخسائر نسبة 80% من البنية التحتية؛ وفقًا للمعلومات الإخبارية المتداولة، ولم تتوقف عند هذا الحدّ، بل ألحقت أضرارًا هائلة في كل شبرٍ طاولته، وقد صرحت بعض القنوات التلفزيونية بأن اندفاع الانفجار لا يقل خطورة عن وقوع زلزال بدرجة 4.5 على مقياس ريختر، والذي أدّى إلى ظهور فجوة كبيرة في موقع المخزن المنفجر، ثم امتد إلى جميع المنشآت الموجودة في الميناء والمنطقة المحيطة فيه.

لن تعرف بيروت اليأس أبدًا، ومن المؤكّد سوف تقفُ مجددًا، وتصمد أمام العواصف والأزمات كما هي دائمًا، وتعود السعادة لتنير أرجاءها، ومهما تراكمت الهموم سوف تزهر الورود في أرضها، لتبقى تحكي حكاية حضارة إنسانية عريقة، عن دولة جميلة اسمها لبنان، فأقولُ لكِ يا بيروت مثلما قال الشاعر نزار قباني "يا ست الدنيا يا بيروت... قومي من تحتِ الردمِ، كزهرةِ لوزٍ في نيسان".