قنبلة ديون الدول النامية

29 يوليو 2020
الصورة
خدمة الديون تفاقم الفقر في السنغال

على الرغم من أن العديد من اقتصادات العالم ما زال يتجرع مرارة ما سببه فيروس كوفيد-19 من ركود وارتفاع في معدلات البطالة وتراجع دخل الأسر، بالإضافة إلى ارتفاع عجز الموازنة والدين في أغلبها، بعد إنفاق تريليونات الدولارات لمنع الانهيار الكامل فيها، صعدت أزمة جديدة مرتقبة عدة درجات في سلم أولويات أكبر المؤسسات المالية حول العالم، حتى لا يكاد يخلو حديث اقتصادي في هذه المؤسسات منها على مدار الأسابيع الأخيرة. 
وتدور الأزمة المرتقبة حول ديون الدول النامية الآخذة في الارتفاع، والتي تضاعفت خلال الشهور الستة الماضية، أي بعد ظهور الفيروس، الذي اضطر العديد منها للاستدانة لمواجهة آثاره السلبية على موازناتها وحساباتها الجارية، كما الإنفاق الصحي اللازم لحماية المواطنين.
ويزيد من تعقيد المشكلة أن جزءاً كبيراً من تلك المديونية لا يخص المؤسسات المالية أو الحكومات، وإنما جاء من مؤسسات استثمارية خاصة، تمكنت خلال السنوات العشر الأخيرة من تجاوز الجميع، لتصبح المقرض الأكبر للأسواق الناشئة. 
وتجاوز الدين الحكومي في العديد من الدول النامية نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي فيها أو اقترب منها، رغم أن صندوق النقد الدولي ينصحها دائماً بعدم تجاوز نسبة 40%، وإن كان لا يمتنع عن إقراضها رغم ارتفاع النسبة فيها. ولا يصح أن نفترض أن هذه المستويات تسبب فيها الفيروس وحده، حيث أكدت عدة نشرات صادرة عن صندوق النقد الدولي أن تلك الدول عانت من ضغوط الديون خلال السنوات الأخيرة، قبل أن يأتي الوباء ليضطرها للمزيد من الاقتراض. 

ولا ينبغي أن نتصور هنا أن الصندوق سيكون حريصاً على مصالح الدول النامية أكثر من قادتها، خاصة أن عمله يقوم بالأساس على استثمار ما لديه من مليارات الدولارات من الدول الأعضاء لتنميتها، ولن يكون هناك بالطبع أفضل من تلك الدول للاستثمار فيها، خاصة أن طبيعة النظام المالي تفرض عليها دفع أعلى معدلات فائدة إن أرادت الحصول على هذه القروض. 
وتقول أرقام صندوق النقد إنه منذ بداية الألفية الجديدة، أصدرت 24 دولة من الدول منخفضة الدخل سندات بالعملة الأجنبية، بلغت قيمتها 135 مليار دولار، وأن نصفها على الأقل يواجه حالياً مخاطر جسيمة بسبب اقترابه من أزمة ديون حقيقية، أو وقوعه بالفعل فيها. 
وخلال الأزمة الحالية، أكد الصندوق أن أكثر من مائة دولة تقدمت إليه بطلبات للحصول على المساعدات المالية اللازمة لمواجهة الجائحة منذ شهر مارس / آذار الماضي، وأنه قدم أو تعهد بتقديم ما يقرب من 250 مليار دولار، كان ثلثها على الأقل خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. 
ورغم اقتراح مجموعة العشرين في بداية أزمة انتشار الفيروس إعادة هيكلة الديون الممنوحة للدول الفقيرة، وإعطائها فترات سماح، على الأقل حتى نهاية العام الحالي، تلاشت آمال البلدان المدينة بعد أن أصرت مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية على تخفيض تصنيف الدول التي سيتم إعادة جدولة ديونها، مؤكدة اعتبار تلك الخطوة بمثابة إعلان إفلاس لتلك الدول، الأمر الذي سيحد بالتأكيد من قدرتها على الاقتراض مستقبلاً. 
وعلى نحو متصل، اعتبر أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، أن فشل جهود تخفيف أعباء الديون على الدول النامية والفقيرة يشكل تهديداً كبيراً للاستقرار الاقتصادي العالمي، وأن تعرض تلك الدول لأزمات مالية يهدد العالم بالدخول في كساد. 

وخلال الشهور الماضية، لم تتوقف المفاوضات بين الدول الفقيرة المقترضة ومقرضيها، وإن كانت خلف الستار، ويمنع ظهورها إلى العلن الخوف من الوقوع في مصيدة تراجع التقييم أو إعلان الإفلاس. ويؤكد كينيث روجوف، كبير الاقتصاديين السابق بصندوق النقد الدولي أن عدد الدول التي لجأت إلى المؤسسات متعددة الأطراف للحصول على دعم، وخوض نزاعات قانونية مع الدائنين، ربما يؤدي إلى تحويل الأزمة الحالية لتكون أسوأ أزمة ديون في الأسواق الناشئة منذ الثلاثينيات من القرن الماضي على الأقل. وقال روجوف إن محاكم نيويورك ولندن وصندوق النقد الدولي لا يمكنهم التعامل مع كل تلك الحالات، التي تماثل حالة الكثير من المرضى الذين يتم نقلهم إلى المستشفى في نفس الوقت.
الدول العربية ليست بمعزل عن تلك الأزمة. ومع دخول الدول الغنية منها سوق الاقتراض بقوة خلال الشهور الأخيرة، إلا أن تلك الدول ما زالت في حال أفضل، بسبب تراكم احتياطيات النقد الأجنبي لديها خلال فترات انتعاش أسعار النفط. لكن الدول الأقل دخلاً، وقعت بالفعل في مصيدة الديون، خاصة الخارجية منها. وفي مصر، على سبيل المثال، التي ازدادت ديونها الخارجية خلال عام 2019 بنحو 16 مليار دولار، لم يمر نصف العام الحالي إلا وكانت الحكومة قد اقترضت، أو اتفقت بالفعل على اقتراض أكثر منها، بينما تراجعت قدرتها على الحصول على العملة الأجنبية بسبب تبعات الجائحة. 
وفي لبنان، ما زالت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، منذ إعلان الحكومة توقفها "الاختياري" عن سداد دفعة مستحقة من دينها الخارجي، حيث انهارت العملة المحلية، وتراجع احتياطي النقد الأجنبي، ودخلت البلاد في مرحلة متقدمة من "الفيلم الهابط" الذي يتم فيه إيهام الجميع بأن لا مخرج من الأزمة إلا بالتوجه نحو الصندوق لتسول عدة مليارات من الدولارات، بعد التخلي عن عجلة قيادة اقتصاد ومالية البلاد، ومنحها لمن لا يهمه إلا مصلحته ومصلحة الدائنين. 

الأمر نفسه يتكرر في العديد من البلدان العربية، من تونس المأزومة سياسياً، إلى السودان المنتفض، والأردن المتردد دائماً، بالإضافة إلى الصومال وجيبوتي وموريتانيا. ورغم محاولات بعض هذه الدول إلغاء ولو جزء من مديونياتها، لا يبدو أن الأمور تسير في هذا الاتجاه، حيث يرفض الدائنون أن يستخدم هذا التنازل في سداد مديونيات أخرى ممن يرفض أصحابها المشاركة في هذه المبادرة. 
الوضع جد خطير، ويفرض على الدول العربية توخي المزيد من الحذر عند التوجه للحصول على القروض الخارجية في الوقت الحالي، وإلا ستكون العواقب وخيمة، بصورة لم نعرفها من قبل.