قنبلة الجثث المتفسّخة وأنهار الجحيم

قنبلة الجثث المتفسّخة وأنهار الجحيم

19 يناير 2017
الصورة
+ الخط -
نشرت مجلة العلوم الدولية، المنبر العلمي الأرفع لباحثي الكرة الأرضية وعلمائها، بحثاً قبل أيام اشترك فيه مجموعة كبيرة من العلماء، قاموا بدراسة عينات من تربة الأرض السطحية من آسيا، وأميركا وأوروبا، خلاصته أنّ الأرض على شفا كارثةٍ بيئيةٍ، تتمثل في قنبلةٍ كونيةٍ تكمن في الطبقات السطحية المتجمدة من قشرة الأرض في المناطق الشمالية من الكرة الأرضية، بسبب ارتفاع درجة حرارة الكوكب إلى حوالي درجة ونصف درجة مئوية، بحسب إعلان الجمعية البيئية الدولية في قمة المناخ في مراكش المغربية في نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم، الناجم عن التغير المناخي جرّاء الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي الأرضي، والذي تسببه الكميات الهائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون، المنبعثة جرّاء حرق مختلف أشكال الوقود الأحفوري منذ مطلع الثورة الصناعية بشكل منفلت من كل عقال منطقي علمي؛ ما سوف يؤدي، في كليته، إلى تحوّل جذري في بيولوجيا الترب المتجمدة في أجزاء شاسعة من كوكب الأرض، والتي لم تكن صالحة سابقاً بسبب تجمدها لحياة الكائنات الدقيقة التي لا تستطيع العيش إلا في الترب الرطبة، وغير المتجمدة؛ وهي نفسها الكائنات الصغرية التي تعيش في أكوام السماد العضوي، وبقايا الجثث المتفسّخة، والتي تتنفس مستهلكة الأكسجين ومطلقة غاز ثاني أكسيد الكربون، كما البشر أنفسهم، وفق حدثية دعاها العلماء في بحثهم آنف الذكر "عودة التربة المتجمدة لتتنفس وبفاعلية، كما البشر في هذه الأرض"، وهو ما سوف يضيف ما بين 30-55 بليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي خلال العقود الثلاثة المقبلة، ما يُمثّل خلخلة، إن لم يكن تحطيماً لكل نماذج التنبؤ البيئي التي ظلّ صناع القرار يستندون إليها في تحليلاتهم لتلمس عتبة اللاعودة من طريق الكارثة البيئية المحدقة بكوكب الأرض، والناتجة من ارتفاع درجة حرارته، وما سوف يقود إليه هذا الحال من ارتفاع لمستوى مياه البحر، جرّاء ذوبان أجزاء شاسعة من جبال الجليد في القارتين المتجمدتين الشمالية والجنوبية مع نهاية القرن الحالي، لما قد يصل إلى تسعة أمتار أو أكثر، وهو ما يعني فعلياً نهاية الحياة الطبيعية لأكثر من 200 مليون شخص، وتحوّل مساحات شاسعة من الأرض الزراعية، في غير بقعة جغرافية، إلى صحراء قاحلة، أكثرها هولاً في بلاد لسان الضاد هو ما سوف يصيب دلتا النيل، وكل سواحل المتوسط العربية، وخصوصاً تونس الصفراء في قابل الأيام، وغَزّة المكلومة أبداً، واليمن الحزين، والذي لا يبدو أن الكرب راحل عنه في المستقبل من الناحية البيئية على الأقل، ودبي وأبو ظبي اللتين سوف تصبحان مدينتين بائدتين تحت مياه البحر.
ويبدو أن الكارثة البيئية أصبحت قاب قوسين أو أدنى، بحسب نتائج البحث المهولة في 
سوداويتها، والتي لم تكن في حسبان كل من يرتعش من رهاب قدومها، أو يحاول دفن رأسه في الرمل في إنكاره المخزي لها كما يفعل سيد البيت الأبيض الجديد دونالد ترامب، ومن لفّ لفّه من أقران، وأتباع، وعبيد منمقين في أميركا، وغيرها.
وعلى المقلب الآخر، أصدرت الجمعية العلمية الملكية ورقة بحثية جماعية عن "أنهار السماء العملاقة" التي أصبحت في طور التشكل، والتكامل شبه النهائي، بسبب ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي، جرّاء ظاهرة الاحتباس الحراري، بما يزيد من إمكانية تشبّعه بكميات أكبر من بخار الماء المتصاعد من المسطحات المائية، والذي صار يستطيع الصمود معلقاً في الغلاف الجوي إلى درجةٍ مرعبةٍ تتمثل في تجمعه في حبالٍ من بخار الماء، تحمل كمياتٍ من الماء، يمكن أن تعادل 15 مرة حجم المياه الموجودة في نهر المسيسيبي، أكبر أنهار العالم، أو 20 مرة حجم المياه الموجودة في نهر النيل العظيم بفرعيه الأزرق والأبيض، والتي سوف تُساقط فقط حين تجاوزها درجة الإشباع الهوائي المطلق، أو تعرّضها لمنخفض جوي مفاجئ، بشكل أقرب إلى الطوفان القادم من الجحيم، والذي يُعتقد أن يصبح كابوساً شبه يومي في غير بقعةٍ من الكوكب المأسوف عليه، وخلال عقدين، في حال استمرار تفاقم كارثة استخراج الوقود الأحفوري وحرقه، من دون أي ضوابط تتفكّر ليس في مستقبل الأجيال المقبلة فحسب، وإنّما في حيوات البشر الأحياء في الأرض حاضراً.
نعم هو الإنسان الذي ظنّ باكتشافه سرّ الماكينة البخارية، وما تلاها من كشوفاتٍ معتمدةٍ على طاقة الوقود الأحفوري، أنّه قادر على فعل المستحيل، ومقاومة قوانين الطبيعة، إلى درجة احتقارها، وهو فعلاً كائنٌ هزيلٌ يَعمَهُ فيما اجترحت يداه من إفساد في الأرض، ينعكس عليه كما لو أنه تجارة خاسرة مع الشيطان، يقايض فيها الإنسان المعاصر سنين عديدة من عمره، وجوانب متعدّدة من صحته اليومية، مقابل الترف العابر بمنجزات الثورة الصناعية التي في
 جوهرها معتمدة كلياً على طاقة حرق الوقود الأحفوري بأشكاله المختلفة. فها هو الإنسان يجاهد لاستكناه أسباب التفاقم المهول لوقوع مرض السرطان بكل أشكاله، والعته المبكر، ومرض الزهايمر، والتشوّهات الجنينية المرعبة، والإملاصات غير المفسّرة، ومرض التوحد، ومشكلات الإخصاب، ومرض كروتز فيليد جاكوب نظير مرض جنون البقر عند الحيوانات، والقائمة تطول وتطول، من دون أن يلتفت ذو العقل المستقيل إلى ما لا تغطيه وسائل الإعلام إلا لماماً، والذي يمكن الوصول إليه بسهولة، حتى من غير المختصّين، من خلال أرشيف الأبحاث العلمية الطبية الدولي على شبكة الإنترنت، والتي تشير ببساطة ومنطقية، لارتباطٍ طرديٍّ بين كل تلك الأمراض، ونمط الحياة الحضرية الاستهلاكي القائم على مبدأي الهدر والتدمير وفق توصيف المفكر نعوم تشومسكي، والمتواشج عضوياً مع وعي الإنسان الزائف بقدرته الفائقة على تطويع الطبيعة، والإفساد فيها كما يشاء، وهو، في حقيقة الأمر، كائن طبيعي، كغيره من الكائنات الحية، تكمن قوته فقط في ذكائه في تكيّفه مع الطبيعة التي يعيش فيها، من دون أن يستطيع أن يُبدّل الحقيقة بأنّ تجبّره المصطنع يخفي في طياته انعدام بصيرة، ولهاثاً مسعوراً نحو حتفه، كأنّه سعي الفراشة في اقترابها من لهيب الشمعة المتوّهجة التي لابدّ أنّها محرقتها.