قناص هوليوود والتضليل الأميركي

09 مارس 2015
الصورة

لقطة من فيلم "قناص أميركي"

أثار فيلم "قناص أميركي" الجدل بعد عرضه، وترشحه لجوائز الأوسكار، وهو يحكي قصة قناص خدم في الجيش الأميركي في أثناء حرب العراق، والقصة مقتبسة من كتابٍ يروي فيه كريس كايل قصته في الحرب، حيث قاتل في العراق، وقتل أكثر من 160 شخصاً بنفسه. يسلط الفيلم الضوء على بطولته الوطنية، وحماسته العالية للدفاع عن أميركا، وهو يصلح للعرض على جنود الجيش الأميركي لإثارة حماسهم، أكثر من صلاحيته للعرض في دور السينما، فهو فيلم دعائي مغرق في الحماسة الوطنية التي تؤدي إلى تضليل المشاهد واقتطاع سياق الأحداث، وهو يصلح للتعبئة، ولا يقدم إلا الرواية الأميركية المعتادة التي تنزه الذات، وترمي الإشكالات الأخلاقية على الآخر.

فيلم "قناص أميركي" نموذجي في تحليل المادة الإعلامية الأميركية التقليدية التي تتميز بأمرين رئيسيين شهدهما الفيلم: اقتطاع سياق الأحداث للتضليل، وإعادة إنتاج الصور النمطية عن الذات والآخر ضمن ثنائية "أخيار/أشرار". في الفيلم، يتحمس كريس كايل للانضمام إلى الجيش الأميركي، بعد أن يشاهد في التلفزيون تفجيرات نيروبي ودار السلام عام 1998، ثم يستجيب لهجوم 11 سبتمبر، بالذهاب مع رفاقه إلى العراق. وليس في الفيلم أي إشارة إلى قضية أسلحة الدمار الشامل، وهي الكذبة التي روجتها إدارة الرئيس جورج بوش لتبرر بها غزو العراق الذي لم يكن مسؤولاً عن أحداث 11 سبتمبر، لكن الفيلم ضرب بالسياق عرض الحائط، ليقدم الرواية المتناسبة مع بطولات قناصٍ أميركي، يدفعه الاضطرار إلى غزو العراق مع زملائه، دفاعاً عن أميركا. وهنا، يتحول الغزاة إلى ثائرين لكرامتهم الوطنية، ومدافعين عن وطنهم ضد خطر "الإرهاب".

يُضرب السياق، مجدداً، مع بداية حرب العراق في الفيلم، حيث يظهر كايل وهو يحارب تنظيم القاعدة مع زملائه، وكأن الحرب على العراق كانت ضد القاعدة من البداية، في تجاهلٍ واضح لسياق الحرب، وسقوط النظام العراقي، مع تجاهل طبيعة وجود القاعدة الذي حدث نتيجة للغزو الأميركي للعراق، حيث وفر هذا الغزو بيئة خصبة لنمو التنظيمات الجهادية وعملها. لا يتساءل صناع الفيلم ما الذي جاء بالقاعدة إلى العراق، ولا يتناولون إسهام الغزو الأميركي في ذلك، وعوضاً عن هذا كله، تظهر الحرب الأميركية على العراق في سياق دفاعي ضد عمليات القاعدة، ضمن رواية تضليلية، تقلب الصورة رأساً على عقب.

الصور النمطية حاضرة في الفيلم بقوة: صورة الأميركي الطيب الذي يدافع عن بلده، ضد الأشرار الإرهابيين، وبعد اقتطاع السياق، وإعادة صياغته بما يتلاءم مع الرؤية الأميركية، لا يصبح هناك سبب يجعل العراقيين يقاتلون الأميركيين، غير أن هؤلاء المقاتلين العراقيين أشرار وإرهابيون. وهكذا، يظهر كايل ورفاقه بوصفهم مجموعة من الصالحين الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الشر، في مسرحية "أخلاقية" ساذجة. في سياق الحرب الأخلاقية، يضطر كايل لقتل الأطفال والنساء، لأنهم يحملون السلاح، فأولئك المتوحشون لا يتركون لك خياراً، لأنهم يدفعون حتى بأطفالهم ونسائهم في المعركة، ويجعلونهم يقومون بالأعمال الشريرة، وعندها، تضطر لاتخاذ الخيار الصعب بقتلهم.

لا يترك اقتطاع السياق وما يتبعه من تضليل مكاناً لرواية الأحداث بأمانة، أو الحديث عن تعقيد المشهد العراقي، بوجود عدة أطراف تقاتل الأميركيين، وعدة أطراف تقاتل بعضها في سياق حربٍ أهلية، وفي إطار صراعات طائفية، وقتال الصحوات العراقية ضد جماعة القاعدة، فكل هذا تمت تنحيته جانباً، لصالح رواية قتال الأميركيين الأخيار ضد إرهابيي القاعدة الأشرار، وهي رواية تجعل المشاعر الإنسانية حكراً على الأميركيين، فيما خصومهم مجرد شياطين متوحشة، تصرفاتها مدفوعة بالشر الكامن فيها.

الفيلم نموذج لمواد كثيرة تقدمها هوليوود، ويذيعها الإعلام الأميركي، تحفل بالصور النمطية عن الخير والشر، والتضليل باقتطاع السياق، والتغاضي عن الجرائم الأميركية في العالم، وتفسير العنف الذي يواجه جيوش الغزاة الأميركيين بالهمجية والوحشية، من دون اعتبار لسياق الأحداث، والدوافع الوطنية والقومية عند مقاومي الغزاة. عمدت وسائل الإعلام الأميركية، على الدوام، إلى حصر القيم الإنسانية بالرجل الأبيض، وإظهار عنصريتها تجاه الآخرين، وإخراجهم من ثوب الإنسانية، وتصويرهم همجاً وحاقدين على "الحضارة"، الحرية الأميركية، وهذا ما كان الخطاب الإعلامي الأميركي يردده جواباً على سؤال: لماذا يكرهوننا؟ الذي تم طرحه أميركياً بعد أحداث 11 سبتمبر، وكانت الإجابات، في غالبها، تميل إلى تفسير الحدث بوصفه تعبيراً عن الحقد على الأميركيين، وحسدهم على أجواء الحرية التي يتمتعون بها، ولا يكلف أحد هؤلاء المحللين نفسه ليراجع السجل الإجرامي للولايات المتحدة عبر العالم، ويحصل على إجابة مختلفة.

لن ينجح التزييف والتضليل في حجب الوقائع، ولن يمحو ذاكرة الشعوب، حتى وإن جاء عبر الآلة الإعلامية الأضخم، والأقدر على التأثير، لكن هذا لا ينفي ضرورة مواجهة هذه الدعاية التضليلية، وكشف عوارها، وتوضيح مكامن العنصرية فيها، خصوصاً ممن يعانون مثلنا من الهيمنة الأميركية، ولا يقبلون بتغطيتها بشعارات أخلاقية كاذبة، أو تصوير آلام القتال التي تسببها همجية المقتول.

تعليق: