قمم مكة الثلاث: لا حماسة للتصعيد السعودي الإماراتي

02 يونيو 2019
الصورة
حاولت السعودية حشد الدعم في مواجهة إيران(بندر الدندني/فرانس برس)
انتهت القمم الثلاث التي دعت لها السعودية في مدينة مكة، وهي القمة الخليجية الطارئة والقمة العربية الطارئة وقمة التضامن الإسلامي الـ14 لمنظمة التعاون الإسلامي، بإصدار بيانات ختامية شملت إدانة الهجمات التي تعرضت لها السعودية والإمارات في الأسابيع الأخيرة في إطار التصعيد الأميركي الإيراني الذي تشهده المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لم تسفر عن حصول السعودية على المكاسب التي كانت تطمع بها من وراء تنظيم هذه القمم، نظراً لعدم حماسة الكثير من دول المنطقة ومن بينها دول خليجية وعربية للهجة الرياض المتصاعدة، ومن خلفها أبوظبي، والتي قد تؤدي إلى إشعال حرب في المنطقة.

ويأتي ذلك في وقت هاجم فيه وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، السياسة السعودية تجاه إيران، إذ نقلت قناة العالم الإيرانية عنه قوله أمس السبت في مقابلة "عرضنا الحوار مع دول المنطقة ودول مجلس التعاون منذ توقيع الاتفاق النووي لكن (ولي العهد السعودي) محمد بن سلمان رد بكلام حول نقل المعركة إلی داخل ايران". وحذر ظريف من أن "ايران تمتلك قوة عالية في الوقت الحالي، وأن أي مواجهة مع طهران ستنعكس سلباً على الدول التي تدفع واشنطن بهذا الاتجاه". كما اعتبر أنه يجب "أن تتوقف واشنطن عن ممارسة الإرهاب الاقتصادي والتهديد وسياسة البلطجة"، مضيفاً "نمتلك في الوقت الحالي قوة دفاعية عالية وبإمكاننا مواجهة أي خطر". كما دخل الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصرالله، على خط التنبيه من تداعيات الدفع نحو التصعيد،  بتحذيره أول من أمس من أنّ أيّ حرب ضدّ طهران الداعمة له "لن تبقى عند حدود إيران"، مشيرا إلى أن "كل المنطقة ستشتعل وكل القوات الأميركية والمصالح الأميركية في المنطقة ستباد وكل الذين تواطأوا وتآمروا سيدفعون الثمن". ولفت إلى أن "معادلة القوة" هي التي تمنع اندلاع حرب أميركية إيرانية حذر من أنها ستصيب أيضاً إسرائيل والسعودية.

وكان السعوديون يأملون في أن يسهم حشد قادة الدول الخليجية والعربية والإسلامية في تقديم صورة قوية عن مدى نفوذ الرياض الدبلوماسي في مواجهة إيران وعزلها عن المجتمع الدولي، لكن ما حدث، تحديداً في القمة الإسلامية، وبقدر أقل في القمة العربية، لم يكن على قدر توقعات الرياض التي بدت كمن يحاول الاستنجاد بمحيطها لمواجهة التوترات المشتعلة في المنطقة والحرب الطاحنة التي تخوضها ضد الحوثيين في اليمن إضافة إلى أعباء مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.

البيان الختامي الصادر عن القمة الخليجية الطارئة، المكون من 9 نقاط ركز على إيران والحوثيين فقط، وحمل إدانة صريحة للهجمات التي شنها الحوثيون على محطات ضخ النفط في محافظتي الدوادمي وعفيف بمنطقة الرياض وإدانة إطلاق الحوثي لصواريخ بالستية باتجاه الأراضي السعودية. كما دان تعرض السفن التجارية السعودية والإماراتية لعمليات تخريبية وأكد على وحدة مجلس التعاون الخليجي في مواجهة الأخطار الخارجية. ولم تسجل أي دولة خليجية اعتراضاً رسمياً على مضمونه، لكن ثلاث دول خليجية هي سلطنة عمان وقطر والكويت لا تزال تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران مخالفة بذلك التصعيد السعودي – الإماراتي في المنطقة.
أما البيان الختامي للقمة العربية الطارئة فجاء شبيهاً ببيان القمة الخليجية، إذ حمّل إيران مسؤولية تهديد أمن المنطقة ودان احتلال الجزر الإماراتية الثلاث. كما شمل إدانة صريحة لها في الملف اليمني، مؤكداً صناعة إيران للصواريخ البالستية التي تنطلق من اليمن نحو الأراضي السعودية.
كما ندد بالتدخل الإيراني في الأزمة السورية، وما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستقبل سورية وسيادتها وأمنها واستقلالها ووحدتها الوطنية وسلامتها الإقليمية، في حين لم يغب عن القضية الفلسطينية مؤكداً التمسك بقرارات القمة العربية بالظهران "قمة القدس" وكذا قرارات القمة العربية الثلاثين في تونس.
وعلى عكس ما جرى في القمة الخليجية، اختلفت الأمور قليلاً في القمة العربية إذ أبدى العراق اعتراضه على مضمون البيان الذي دان إيران قائلاً إنه لم يساهم في صياغته وهو ما شكل ضربة للرياض في محاولة استدراجها دول المنطقة نحو التصعيد.
وتماشى الاعتراض العراقي مع الموقف الذي أعلنه الرئيس العراقي برهم صالح، خلال القمة، عندما حذر من أن "الأزمة الإقليمية والدولية مع إيران تنذر بالتحول إلى حرب شاملة إن لم نحسن إدارتها".

وإذا كان الاعتراض محدوداً في القمة العربية، فإن البيان الختامي للقمة الإسلامية، الذي حمل لهجة هادئة، متجنباً ذكر إيران بشكل صريح ومديناً في نفس الوقت الهجمات التي تعرضت لها محطات ضخ النفط السعودية دون تحديد الفاعل، شكل الإشارة الأبرز على فشل الدبلوماسية السعودية في جر مزيد من الدول إلى مواجهة مباشرة مع إيران. وجاء ذلك على الرغم من أن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز حرص في افتتاح القمّة التي غاب عنها عدد من رؤساء الدول يتقدمهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني الذي لم توجه له السعودية دعوة، على تعميم الخطر قائلاً "للأسف الشديد، يضربُ الإرهاب في منطقتنا من جديد"، موضحاً "تعرّضت سفنٌ تجاريّة قرب المياه الإقليميّة لدولةِ الإمارات لعمليّات تخريب إرهابيّة". وتابع "تعرّضت محطّتا ضخّ للنفط في المملكة لعملياتٍ إرهابية عبر طائراتٍ بدون طيّار من قبل مليشيات إرهابيّة مدعومة من إيران". وحذّر الملك سلمان من أنّ "هذه الأعمال الإرهابيّة التخريبيّة لا تستهدف المملكة ومنطقة الخليج فقط، وإنّما تستهدف أمن الملاحة وإمدادات الطاقة للعالم"، معتبراً أنّها تُشكّل "تهديداً خطيراً لأمن وسلامة حركة الملاحة البحريّة والأمن الإقليمي والدولي".
ولم يتصدر الموضوع الإيراني بنود القمة الـ14 لمنظّمة التعاون الإسلامي التي تضمّ 57 دولة بل احتل الرقم 62 من أصل 102 بند ركز عدد كبير منها على القضية الفلسطينية والتأكيد على مركزيتها وإدانة الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل والتأكيد على وحدة الأراضي السورية وعدم الاعتراف بالجولان كجزء من إسرائيل.
أما البند 62 الخاص بالسعودية فأشار إلى إدانة "الاعتداء الإرهابي على محطات الضخ البترولية بمدينتي الدوادمي وعفيف في المملكة العربية السعودية والذي يستهدف مصالح الدول وإمدادات النفط العالمية"، من دون الإشارة إلى إيران. وأعرب عن كامل تضامنه مع السعودية ودعمه اللامحدود لجميع الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها القومي وإمدادات النفط. كما دعا المجتمع الدولي للنهوض بمسؤولياته للحفاظ على السلم والأمن في المنطقة، في إشارة واضحة إلى رفض التصعيد
وتعود لهجة البيان الهادئة إلى كثرة الدول المختلفة في المنظمة وعدم تماهي عدد كبير منها مع الرؤية السعودية. وهو ما حاول وزير الدولة السعودية للشؤون الخارجية عادل الجبير الالتفاف عليه بالقول في مؤتمر صحافي عقب القمة الإسلامية إن هذه القمة دانت إيران وكانت رسالتها واضحة لها.

ولم يتوقف الحرج الذي تعرضت له السعودية على عدم مشاركتها نفس الرؤى تجاه إيران، بل امتد أيضاً إلى الملف الليبي، وبينما قاطع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا فايز السراج، القمة العربية، وحضر القمة الإسلامية، فإن تجاهل القمة العربية للملف الليبي على الرغم من خطورة التطورات في محيط العاصمة الليبية طرابلس نتيجة الحرب التي أشعلتها مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بدعم سعودي وإماراتي ومصري، لم ينحسب على بيان القمة الإسلامية. وأكد المؤتمر على ضرورة التزام كافة الأطراف الليبية بمراعاة المصلحة العليا وتجنيب شعبها مزيدا من المعاناة وويلات الحروب؛ وضرورة عودة الأطراف الليبية إلى المسار السياسي. كما دعا المؤتمر إلى وقف كل أشكال التدخلات الخارجية في الشأن الليبي التي لا يمكن إلا أن تزيد الأوضاع تعقيداً.
كما أن السراج وجه خلال لقائه بولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، انتقادات ضمنية للرياض وموقفها، مشيراً في بيان أصدره عقب اللقاء إلى أنه يتطلع لموقف سعودي من الأزمة لا يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه.
واعتبر السراج أن إن الدول التي تدعم حفتر وتزوده بالأسلحة تعتبر مساهمة فيما يرتبكه من انتهاكات" وذلك في إشارة إلى دعم السعودية والإمارات لخليفة حفتر وزيارته للعاهل السعودي الملك سلمان في الرياض أواخر شهر مارس/ آذار الماضي.