قمع التفكير باسم "غسل الدماغ"

20 يونيو 2020
الصورة
بين تشرنوبيل الأوكرانية في إبريل/ نيسان 1986 والقامشلي السورية في يونيو/ حزيران 2020، أربعة وثلاثون عاماً بين مجهول ومعلوم. مجهول يخلّف إرباكاً ومعلومٍ يُمكن استغلاله وتوظيفه في مسارات مختلفة. في تشرنوبيل، انفجر المفاعل النووي رقم أربعة، مؤدّياً إلى وفيات كثيرة وأضرار لا تزال مفاعيلها مستمرة. لم يصوّر أحد الحادثة، وتُركت لخيالات الكتاب، أما شهادات الناجين والوثائقيات لا يُمكن أن تعبّر عن الوضوح الكلّي لما حصل. لاحقاً، في العقود والقرون المقبلة، ستكون "حقيقة" تشرنوبيل، الموجّهة إلى شعوب المستقبل، وفقاً لمنطق الرواية الأقوى التي سيفرضها المحور أو الدولة الأقوى. لن تكون الحقيقة مكتملة الجوانب، وستُبنى عليها فرضياتٌ كثيرة، في حال قرّر أحد مناقشتها أو دراستها، لا بل سيترسّخ غموضها. هذا المجهول الأوكراني، السوفييتي سابقاً، لن يصل إلى خلاصةٍ واضحة.
في المقابل، "المعلوم" في القامشلي السورية هو فيديو يوثّق "زحمة سير" بين آليات عسكرية أميركية وأخرى روسية. "زحمة" كادت أن تودي إلى صدام عسكري بين الجانبين. الفيديو الذي صُوّر من هاتفٍ ما سيبقى إلى الأبد، وسيستند إلى "واقعية" الصورة، على الرغم من أنها بدورها لن تكون مكتملة، لأن لا أحد يعرف حقيقة ما جرى قبل التصوير ولا بعده، لكن ما تمّ تصويره سيكون المنتصر بفعل مادّيته المرئية. هذا المعلوم لن يصل أيضاً إلى خلاصةٍ واضحةٍ مستقبلاً، إلا أن الفارق الظرفي بين الحدثين، الأوكراني والسوري، هو أن الأول قد انتهى، أما الثاني فما زال في سياق التطور والتفاعل.
في الحالتين يُمكن مناقشة "تعدّد الفرضيات" وكيفية تسويقها، وصولاً إلى مبدأ "غسل الدماغ"، الذي يُراد منه إطاحة نزعة التفكير من الفرد، وتميّزها، لمصلحة القبول بـ"حقائق" محدّدة تُفرض عليه، ولا بديل عنها، بما يشبه "متلازمة استوكهولم" في حالاتٍ كثيرة. هنا لا يمكن الركون إلى مبدأ "أكثريات غير محقة" و"أقليات محقّة" أو العكس، بل إلى محاولة تفكيك عملية غسل الدماغ المتواصلة، بطريقةٍ غير دفاعية المبنية عادة على ردة فعل، بل هناك أسلوب لا يمكن معه للعقل الواعي واللاواعي رفضه. تبدأ هذه الطريقة بطرح فكرة "النظر إلى الأمر بعيون الآخر"، ومحاولة التفكير مثله. سيظهر أن لا حقيقة ثابتة هنا سوى تفعيل التفكير. في أي قضيةٍ أو ملفٍّ خلافي أو مسألة شائكة ستبقى هناك وجهات نظر، وسيبقى الاختلاف قائماً، من دون أن يعني ذلك صداماً بالضرورة، يتطوّر إلى تراكماتٍ سلبيةٍ تطيح التفكير العاقل.
إلا أن الملاحظ هو تعميم فكرة "قمع التفكير". أي أنه في حال حصل نقاشٌ ما حول فكرة محدّدة، فإنها قد تصل إلى نهايةٍ لن يرضاها طرفٌ يعتبر نفسه "محقاً" بشكل دائم، وسيدرك أن العقل انتصر على منطق القوة العسكرية أو الديمغرافيا العددية، وسيُفضي إلى تراجعه أمام بيئته أو محيطه الذي عمل على غسل دماغه في الفترات الماضية وإخضاعه لسطوته. من هذه النقطة، يمكن فهم كيفية تطوير سلوك هذا الطرف القمعي، بدءاً من السخرية الاجتماعية، ثم إلصاق تهم الخيانة والعمالة، وبعدها استخدام العقائد القومية والدينية، مروراً بالتهديد بالاعتداء الجسدي (ضمنها القتل) وانتهاءً باستغلال نصوصٍ قانونية لسجن "من يجرؤ على مناقشة فكرة ما".
التعامل مع هذا النوع من الملفات يشبه تعامل السوفييت مع كارثة تشرنوبيل، في ثمانينيات انحدار الاتحاد، والذي أدّى، في النهاية، إلى سقوطه. ويشبه أيضاً محدودية الفيديو في القامشلي الذي سيؤدي، في النهاية، إلى انتصار ما شوهد منه، لا العكس. وكذلك فإن "قمع التفكير" لن ينتهي بسهولة بالنسبة لممارسيه، ولن ينتهي بانتصارهم أبداً، لأن القمع ضغط عكسي، سيؤدي إلى انفجار واسع. ألا يقرأ أصحاب نظرية القمع التاريخ وكيفية سقوط أنظمة؟ قدر "غسل الدماغ" أن يكون محدوداً على الرغم من سوداويته، ودائماً ما يكون اللحظة الأكثر ظلمةً قبل الفجر.

دلالات