قلم كحل.. إلى كوليت أبو حسين

18 ديسمبر 2018
الصورة
(كوليت أبو حسين/ ذات مقهى)
+ الخط -

التقيتها مرةً واحدة. كان ذلك في عمّان ربيع 2018.

داخل مقهىً تتزاحمُ فيه أصوات الناس، إلا أنَّ الفرح كان يجيءُ من جهةِ اسمها. كنتُ التقطتهُ من بين أسماء كثيرة لشاعرات فلسطينيات شابات.

تلك البنت التي تتناول الشعر وتنقيه بأصابع العارفة بأماكن المفردات المخاتلة، المفردات التي هبطت من كتب الرفوف العالية الى عتبات البيت، فصارت كلاماً، ثم صوراً مجانية، تلوح بها كوليت، وكأنها تتقصد الإهمال، فتسقط من يدها الى النص.

إنها البنت التي تلعب قرب حروف القطع، وتشاكس الأفعال المعتلَّة. الشاعرة التي وقفت على شبّاك المطبخ، لتصغي بكامل صخب الحياة، الى الهياج النافر من أجساد الفتيان الذين يتبادلون كرة القدم في الساحة.

وإن كنت لا أعرفها، ولم أتبادل معها سوى كلماتٍ قليلةٍ بحجم الكف، إلا أنني كنتُ أعرفُ صوتها جيداً، صوتها الشعري القصصي، الذكي، وهو يرسل إشاراته الموجعة، الى المنظومة العصبية، فتتحفز حتى آخر خيوطها، وهي تصف حقيبة يد امرأة في الثلاثين:

"وأنا أنطّ على درجات الثلاثين، تسقط حقيبة أدويتي؛ شريطٌ للسكر وآخر للضغط، مميّع للدم وآخر مهدِّئ للأعصاب، أسبرين للقلب ومضادات للاكتئاب وخوف الموت، واقٍ من الخثراتِ وآخر لأنزيمٍ في الكبد. معدتي ممتلئة بالحبوب الصغيرة وقلبي فارغ. وأنا أتدحرج على درجات الثلاثين.. كان يجب أن يكون في حقيبتي قلم كحل أسود فقط".

ماتت كوليت أبو حسين.

هل قلتُ لها في عمّان أني كنتُ أحبُ أن أقرأها؟

* شاعر فلسطيني 

المساهمون