قضية منزل عائلة شماسنة: عيّنة عن التقصير الفلسطيني الرسمي

قضية منزل عائلة شماسنة: عيّنة عن التقصير الفلسطيني الرسمي

10 سبتمبر 2017
مقدسية تحاول تخليص ابنها من الاعتقال يوم الجمعة(محمود إبراهيم/الأناضول)
+ الخط -
فاجأ المواطن المقدسي، محمد زهران، من سكان حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة من القدس المحتلة، وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة، المهندس عدنان الحسيني، بالسؤال عن السبب الذي أخّر جمع مبلغ من المال قيمته 125 ألف دولار لشراء منزل عائلة شماسنة، وإنقاذ العائلة من استيلاء المستوطنين عليه. وقد عرض هؤلاء على أصحاب المنزل من عائلة شماسنة شراء البيت في وقت سابق. حدث ذلك في أعقاب صلاة الجمعة الماضية، التي شارك فيها وزير ومحافظ القدس وقيادات وطنية مقدسية، والتي أديت في محيط منزل عائلة شماسنة، في وقت اعتلى فيه مستوطنان سطح المنزل وشرعا بتصوير الحضور وسط ضحكات السخرية الصادرة عنهما.

الوزير الحسيني وأمام التساؤل المشروع للمواطن زهران، اعترف بعجزه عن توفير المبلغ في الوقت المناسب قبل أن ينجح لاحقاً في جمعه. لكن الوقت قد فات، إذ عاد المستوطنون عن اقتراحهم وتراجعوا عن خططهم لبيع المنزل، بادعاء أن السلطة الفلسطينية هي التي ستمول عملية الشراء. وكان المحافظ قبل أن يتم سؤاله عن الواقعة، تحدث عن أن الموارد المالية التي هي بحوزته، شحيحة جداً، وأنه لا يمكن تدبيرها بـ"كبسة زر"، كما قال. لكن تبريره قوبل بالتحفظ من قبل الأهالي، إذ وقف أحدهم ويدعى أبو عمر، وقال: "مدة شهرين من محاولات جمع المبلغ فترة طويلة جداً أمام عرض مغر كان بالإمكان من خلاله إنقاذ عائلة شماسنة من سلب منزلها". وتساءل أبو عمر وغيره من سكان الحي عما بعد عملية الاستيلاء على المنزل. والسؤال يتمثل في معرفة ما الذي أعدته الجهات الرسمية الفلسطينية لمساعدة الأهالي، ومنهم عائلة شماسنة التي أبعد نجلها الأكبر محمد، الخميس الماضي، عن محيط المنزل لمدة خمسة عشر يوماً بعد مشادة بينه وبين أحد المستوطنين. وتوجه محمد بالسؤال، لكن عبر مواطن آخر من سكان الحي هو حسين الكسواني، قائلاً: "إلى متى سنظل مقيمين في مأوى بالإيجار داخل فندق الكريسماس القريب من المنزل على بعد نحو مائة متر فقط"؟

اعتراف وزير القدس بالعجز عن تدبير قيمة المنزل للعائلة المنكوبة، قابله نفي منه لتقصير السلطة الفلسطينية في واجباتها تجاه العائلة، واعداً إياها "بتوفير مسكن مؤقت لها والقيام بكل ما يلزم لاحقاً لتوفير مسكن دائم لها"، وفق قوله. وفي مقابل ذلك، بدا الوزير غير واثق من التوجه الأخير لمحكمة العدل الإسرائيلية، وإن كان لا يزال يأمل بأن تتخذ المحكمة قراراً يعيد العائلة إلى منزلها. وأشار إلى معلومات خاطئة كانت تسلمتها المحكمة من المستوطنين حول البيت المستهدف بالاستيلاء، وعلى هذه المعطيات، بنى الوزير بعض تفاؤله.

صاحبة المنزل المسنة أم محمد شماسنة، طالبت وزير القدس بأن يؤمن لعائلتها منزلاً بديلاً، إذ لا يمكنها هي زوجها ونجلها وأحفادها العشرة البقاء في فندق، مشيرةً إلى الحالة الصحية المتردية لزوجها الثمانيني الذي لم يتمكن من الحضور إلى محيط المنزل، بينما أبعد الاحتلال نجلها محمد لمدة خمسة عشر يوماً عن الحي.


ولا يكتفي الأهالي بهذا الحد من المطالب، بل يصرون أيضاً على ضرورة وضع خطة استراتيجية للسلطة الفلسطينية تجاه سكان حي الشيخ جراح ودعم صمودهم. وهذا مطلب ردده أكثر من مواطن من سكانه، لا سيما أن هناك نحو 45 عائلة أخرى تقطن بجوار منزل شماسنة، مهددة منازلها هي الأخرى بالاستيلاء. كان المشهد قبل صلاة الجمعة وخلالها، موجعاً لسكان الحي الذين ناشدوا المقدسيين بدعمهم والتواجد الدائم في محيط منزل شماسنة، تماماً كما فعلوا حين هبوا لنصرة الأقصى وأرغموا الاحتلال على إزالة بواباته الإلكترونية. وهذه المناشدة كان سبقهم إليها خطيب الجمعة الشيخ عبد الله علقم، الذي دعا إلى فعاليات إسناد ودعم جماهيري لا تقل في حجمها عن هبة الأقصى. ولم يكد الحضور ينفضّ من محيط منزل عائلة شماسنة، حتى اندلعت مواجهات مع قوات الاحتلال في حي الشيخ جراح، أصيب خلالها العديد من المواطنين المقدسيين جراء استنشاقهم الغاز، من بينهم المواطنة رائدة السعو، التي أصيبت برأسها عندما حاولت تخليص ابنها المعتقل، وجرى نقلها إلى مستشفى "هداسا عين كارم"، كما اعتقلت شرطة الاحتلال الإسرائيلي 3 متضامنين أجانب أحدهم أصيب برأسه. واندلعت هذه المواجهات وفقاً لسكان الحي، في أعقاب قيام مستوطنين بعد انتهاء الصلاة، باستفزازهم والاعتداء على الأطفال.

ويبدو أن حكاية هذا المنزل الذي ضيّع الفلسطينيون فرصة إنقاذه، ستظل حديث الناس في حي الشيخ جراح وفي القدس المحتلة عموماً، علماً بأن مواطناً مقدسياً من عائلة أبو اسنينة، كان نجح بمفرده قبل سنوات بتخليص قطعة أرض من مستوطنين في منطقة حيوية ببلدة شعفاط شمال القدس، بعدما دفع ما قيمته 12 مليون "شيقل".

وأبدى مواطنون في حي الشيخ جراح وبعض من شاركوا في صلاة الجمعة، غضبهم حيال التقصير الرسمي الفلسطيني بخصوص هذا المنزل، واعتبروه نموذجاً لإهمال وتجاهل السلطة الفلسطينية لمعاناة المقدسيين. وكان أحد سكان الحي وفي مداخلة له عقب انتهاء الصلاة، وجه لوزير القدس، عدنان الحسيني، لوماً مباشراً قال فيه: "ماذا قدمتم للقدس وأهلها"؟ ووقف أحد سكان الحي وقال للحسيني: "مطالبنا يجب أن توضع على طاولة رئيس الحكومة، وأن يتخذ القرار بالمساندة والمساعدة دون إبطاء"، وفق تأكيده.

ولا تخلو بيانات الحكومة الفلسطينية من تصريحات حيال تعزيز ودعم صمود أهالي القدس، لكن في الحقيقة وعلى أرض الواقع لم يكن بالإمكان إنقاذ هذا المنزل من قبضة المستوطنين، وطردت عائلته منه. وفي الوقت الذي لم يجب فيه المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، طارق رشماوي، في حديث لـ"العربي الجديد"، عن سؤال حول توفير المبلغ لعائلة شماسنة، إلا أنه قال إن "الحكومة الفلسطينية ماضية باتجاه تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في مدينة القدس وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية". وأكد رشماوي أن الحكومة الفلسطينية أقرت خطة طوارئ لأجل تعزيز صمود القدس أخيراً، وشكلت لجنة لإدارة خطة الطوارئ برئاسة رئيس الوزراء رامي الحمد الله، وعضوية وزير المالية (شكري بشارة) ووزير شؤون القدس، إذ بدأت تلك اللجنة منذ أكثر من 3 أسابيع بصرف أكثر من 25 مليون دولار على مختلف القطاعات، لتعزيز صمود أهالي القدس، وفق قوله.

وأكد المتحدث الرسمي أن الحكومة الفلسطينية ناشدت المجتمع الدولي وراسلت كافة مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية للوقوف أمام التزاماتها بردع إسرائيل عن ممارسة جرائم بحق أبناء الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أنها وصفت ما يحدث في القدس باعتباره جريمة جديدة بحق أبناء الشعب الفلسطيني. وطالب رشماوي المجتمع الدولي بأن يقف أمام مسؤولياته بمحاسبة دولة الاحتلال نتيجة هذه الإجراءات، التي ليست فقط جريمة بحق أبناء الشعب الفلسطيني، إنما انتهاك صارخ لكافة المواثيق والقرارات الدولية والتي كان آخرها قرار مجلس الأمن القرار رقم 2334، الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2016، والذي ينص على "بطلان وعدم قانونية أي إجراء احتلالي في مدينة القدس الشرقية".

المساهمون