قصور تونس... إرث لا تعيره الحكومة اهتماماً

06 اغسطس 2020
الصورة
أحد قصور تطاوين (العربي الجديد)

قبل نحو 500 عام، بنى أهالي محافظة تطاوين في تونس قصوراً بدائية لأهداف غير السكن. وعلى الرغم من جماليتها المعمارية والثقافية، فإنها في حاجة إلى ترميم وقد انهار بعضها 

في محافظة تطاوين الواقعة أقصى جنوب تونس، قصور صحراوية عدة ذات معمار محلّي خاص بالجهة لا شبيه لها في بقية المحافظات التونسية. وعلى مدى سنوات عدّة، ظلت إرثاً مهماً لدى سكان المنطقة. 
هذه القصور المبنية من الطين والطوب والحجارة شيدها سكان الجنوب التونسي قبل أكثر من 500 عام بطريقة بدائية. استخدموا سعف النخيل لبناء شبابيكها وأبوابها وأسقفها. أما بلاطها، فصنع من التراب أو الطين الأحمر. كلّها مواد طبيعية استخدمت لتشييد البيوت القديمة. واللافت أنها ما زالت صامدة حتى اليوم، على الرغم من انهيار أسقف وجدران بعضها. 

يبلغ عدد تلك القصور نحو 160 قصراً، غالبيتها موزعة على قمم الجبال. ويتراوح عدد غرف القصر الواحد ما بين 300 و500 غرفة، موزعة على ثلاثة طوابق أو أكثر على علو أربعة أمتار. وتُسمى تلك القصور بأسماء تنسب إلى القبيلة التي شيدتها على غرار قصر "العواديد" وقصور "أولاد سلطان" وقصور"أولاد عون" وقصور "أولاد بوبكر" وغيرها، علما أنها متشابهة في الشكل وطريقة البناء. 
ولم تبن تلك القصور بهدف السكن، بل خصصت أساساً لتخزين المحاصيل على غرار القمح والشعير والزيت والذرة وغيرها من المؤونة. تلك المحاصيل تعد مخزون القبائل على مدار العام. ويشرف على حمايتها وحفظها كبير شيوخ القبيلة وكل من لديهم خبرة في تخزين المحاصيل لأطول فترة ممكنة، وتوزيعها على الأهالي عند الحاجة في فترات مختلفة. 
ويقول الباحث في التراث والآثار، المبروك الأزعر، لـ "العربي الجديد"، إنها كانت أيضاً استراحة للتجار القادمين من بلدان أفريقيا لتبادل السلع والعبيد في فترة ما. ويعود تشييدها إلى أكثر من 600 سنة، وقد اختارت غالبية القبائل بناءها على مرتفعات معزولة عن التجمعات السكانية، لتكون مطلة على بقية السكان وواضحة لكل أجنبي، ولحفظها من الفيضانات أو الانزلاقات الأرضية في المنخفضات. 
كما يشير إلى أنّ "طريقة بنائها بنوع من الحجارة الخاصة بالجهة، يحفظ المحاصيل من شدّة البرد وارتفاع درجات الحرارة. لذلك، بقيت صامدة سنوات طويلة. لكنّها اليوم مهجورة ولا تحفظ المحاصيل الزراعية فيها. وأصبحت فقط معماراً تراثياً خاصاً بالجهة، تقام فيها بعض المهرجانات الصيفية، وتعتبر مزاراً للتونسيين والسياح الأجانب".  
عبد الحميد سلطان أحد المنتمين إلى قصر أولاد سلطان، يقول لـ "العربي الجديد" إنّ "غالبية سكان المنطقة يحافظون على تلك القصور ويرممونها بإمكانياتهم الذاتية، لأنّها تعتبر تراث الأجداد وهوية المنطقة التي تُعرّف بخصوصيات الجهة. وباتت تقام فيها مهرجانات بدوية خصوصاً في الصيف. وتستقبل عشرات الفرق الفلكلورية من العالم العربي على غرار المغرب وليبيا والجزائر وموريتانيا وغيرها. كما تشهد توافد آلاف السياح سنويا لمشاهدة تلك العروض وخصوصاً في الصيف لحضور المهرجانات التي تتميز بعروض خاصة بسكان الصحراء والبادية". 

الصورة
قصور تونس في تطاوين 2 (العربي الجديد)

وقد شيدت غالبية تلك القصور على شكل دائري تتوسطها ساحة كبيرة كانت تعتبر استراحة لدواب التجار القادمين من البلدان الأفريقية الأخرى، كما تُنصب فيها الخيم لاستقبال التجار والوافدين. تلك الساحات باتت اليوم مكاناً مخصصاً لاستقبال السياح، الذين يقيمون في خيم صغيرة، أو تقام فيها بعض الخيم التي تعرض منتجات خاصة بالجهة سواء ملابس أو أطعمة أو مفارش للتعريف بخصوصيات الجهة. وتقام في ساحات بعض القصور الأخرى العديد من عروض الرقص الخاصة بسكان البادية.

من جهته، يقول أحد سكان المنطقة شافعي عوني لـ "العربي الجديد"، إنّ "المعهد الوطني للتراث ساهم في ترميم العديد من تلك القصور. رغم ذلك، اندثر بعضها بسبب العوامل المناخية فيما انهارت غالبيتها. إلا أن السكان يقدمون أحياناً بعض المساهمات المالية لترميم العديد من القصور، خصوصاً تلك التي تقام فيها المهرجانات الصيفية. ويحاول كلّ من يرمم تلك القصور استخدام المواد الأولية نفسها التي بنيت بها حتى لا تُشوه أو تفقد خصوصيتها". يضيف أنّ تلك القصور تمثل إرثاً لا يستغني عنه سكان المنطقة على الرغم من أنّها لم تعد تستعمل لحفظ المؤونة أو المحاصيل، ولكنّها تستقبل السياح سنوياً وتضفي حركة على الجهة". 

الصورة
قصور تونس في تطاوين 1 (العربي الجديد)

ويشير رئيس جمعية صيانة التراث في منطقة غمراسن في الجهة، حبيب علجان، إلى أنّ "العديد من قصور الجنوب انهارت نهائياً اليوم. والمعهد الوطني لحماية التراث اهتم بكلّ الآثار في تونس ما عدا تلك القصور، لأنّها لم تدرج بعد ضمن التراث الوطني. كما لا تخصص ميزانية سنوية لحماية تلك القصور على الرغم من كونها تمثل مورداً سياحياً هاماً، يستقبل سنوياً آلاف السياح الحاضرين في المهرجانات الصحراوية". يضيف: "تم ترميم البعض منها بالإسمنت، ما أفقدها جماليتها وخصوصيتها وشكلها القديم". 

الصورة
قصور تونس في تطاوين 3 (العربي الجديد)

وعلى الرغم من تأكيد العديد من سكان الجهة والجمعيات التي تعنى بالتراث، أو المشرفين على المهرجانات الصحراوية البدوية، على ضرورة ترميم تلك القصور لأنّها تعتبر مصدراً أساسياً لجذب السياح إلى الجنوب التونسي، إلاّ أنّ العديد منها بات ركاماً، فيما ينتظر البعض الآخر الترميم بسبب تشقق أسقفها وجدرانها، وبالتالي لا يمكن للسكان تنظيم عروض ثقافية فيها خشية انهيارها. 

وأدرج مركز التراث العالمي في آخر تحديث لموقعه قصور ومنازل الجنوب التونسي في القائمة التمهيدية للتراث الثقافي المادي العالمي.