قصور الصحراء

قصور الصحراء

11 ديسمبر 2014
قصر في الصحراء السورية من القرن الثامن (Getty)
+ الخط -

ظاهرة قصور الصحراء في الأردن تجد تفسيرها في تاريخ المكان بوصفه طريقاً إجبارياً للتجارة بين أطراف العالم القديم. فمن الهند والجزيرة العربية كانت تتدفق سلع تلك الأيام إلى أوروبا، محمولة على ظهور الجمال، سالكة طريق التجارة القديم المسمّى بـ"الطريق السلطاني" أو "طريق الملوك".

تُنسَب قصور الصحراء إلى الأمويين، ولكن هذا النسب، على ما يبدو، ليست سوى الحلقة الاخيرة (والأزهى) في سلسلة المصائر الحضارية التي عرفتها هذه القصور. فالأبحاث الأردنية في هذا الشأن، وهي قليلة في كل حال، تُرجع أصل معظم القصور الصحراوية إلى العهد النبطي، ثم إلى العهد الروماني بعد سقوط الحاضرة النبطية البتراء بيد الرومان في القرن الأول الميلادي، والغاية منها في كل العهود السابقة على الأمويين واحدة: إقامة محطات استراحة (أو قلاع عسكرية) على طريق التجارة، وحمايته من القبائل التي كانت تغير على القوافل وتنهبها.


ومع مجيء الإسلام وقيام الخلافة الأموية، كان "الطريق السلطاني" قد كفَّ عن أن يكون شريان التجارة العالمية، واضمحلت الحواضر التي عمرت الأردن الجغرافي الحالي ردحاً طويلاً من الزمن. لكنه اكتسب أهمية استراتيجية جديدة في الصراع على الخلافة بين الأمويين من جهة، ومَنْ التفَّ حول آل البيت من جهة ثانية. فهو موطن عدد كبير من القبائل العربية التي تقاطر الطرفان على خطب ودّها.


ولفهم الأهمية الحيوية لهذا المجال، يكفي أن نذكر أن الدعوة العباسية انطلقت من منطقة الحمُيمة" في جنوب الأردن حالياً.
 الصراع على تأليف قلوب القبائل واستمالتها ليس، على الأغلب، سوى سبب واحد لإعادة الاعتبار للصحراء وقصورها. فالأمويون الذين أصبحوا، في أعوام قليلة سادة العالم القديم واستقروا في عاصمتهم الامبراطورية دمشق، ظلوا يحنون إلى الفضاء الأول الذي انطلقوا منه: الصحراء.


هكذا استعادت الصحراء الأردنية بعض أهميتها السابقة، فأعيد ترميم قصورها القديمة أو أنشئت قصور جديدة فيها، ولكن لأغراض أخرى غير تلك التي أنشئت القصور القديمة من أجلها، فصار بعضها أشبه بـ Health Farm في أيامنا، أو مجرد أماكن للهو والقصف اللذين، ربما، لم يكن خلفاء بني أمية قادرين على ممارستهما في عاصمة الخلافة، وهذا ما تعكسه المرافق الجديدة التي لم تعرفها هذه القصور سابقاً، وكذلك الرسومات التي تزين جدران بعضها، خصوصاً درَّتها: قصر عمرة.

يتحدّى هذا القصر – الحمّام الفهمَ الشائع في خصوص تحريم الإسلام الفن التجسيدي، وتصوير البشر. فالتحريم، الذي لا يسنده نصٌّ قطعي، قد يتعلق بالأوثان وما تنطوي عليه من معانٍ دينية سابقة على الإسلام، وليس الغايات الجمالية التي يهدف إليها العمل الفني. 
لا يبدو قصر عمرة، في عهده الأموي، قلعة، فتصميمه ومرافقه الداخلية تعطي شكل الحمّام، رغم أن مظهره الخارجي لا يعكس، أبداً، ما يمكن أن يكون عليه من الداخل. فهو ذو شكل قببي بسيط بينما داخله يشع بالفريسكو الملون الذي قد يكون الأول من نوعه في الإسلام. 
كل جدرانه وقببه مزينة بالرسومات، وهي ليست أية رسومات.


المثال الأول على ذلك هو تلك اللوحة التي تراها وأنت تدلف إلى ردهة القصر وتصوّر خليفة (هل هو الوليد بن عبدالملك باني القصر؟) جالساً على عرشه، فيما على الجدار الجنوبي هناك لوحة لستة ملوك من رجالات تلك الايام، تمكن الباحثون من تحديد هوية أربعة منهم هم: رودريك ملك القوط (إسبانيا)، كسرى ملك الفرس، النجاشي ملك الحبشة، والامبراطور البيزنطي. 
الإثنان الباقيان يُعتقد أنهما يصوران امبراطور الصين وملك الترك.


هناك رأيان حول دلالة هذه اللوحة الغريبة المرسومة على جدار حمّام في الصحراء الأردنية، الأول يقول إن الخليفة الذي أمر برسمها (الوليد بن عبد الملك) أراد أن يصور نظراءه في حكم العالم يومذاك. 
إنه ملك كبير مثلهم.
 يحكم رقعة من العالم أكبر مما لديهم.
 أما الرأي الثاني، وهو قد يكون الأرجح، فيرى أن اللوحة تصور الملوك الذين هزمهم المسلمون حتى تلك اللحظة.
ولكن ماذا بشأن امبراطور الصين وملك الترك. 
لا تفسير مقنعاً حول ذلك.

ولكن لعلها نوايا الخليفة الأموي الذي كان يأمل أن تضم مملكته، الأوسع حينها في العالم، أرضهم.
 أما المثال الثاني الذي تقدمه لنا لوحات الفريسكو في القصر، فهو للرغد والرفاه والمتعة. 
إنها الأعمال التي تصور نساء عاريات مستلقيات في لوحات الفريسكو، تعكس ما يمكن أن تشاهده في قصر روماني.

دلالات

المساهمون