قصائد لمن لا وطن لهم

04 أكتوبر 2019
الصورة
("قانون الرحلة" تنصيب لـ آي ويوي)

انتقل صدى أزمة اللجوء والهجرة، التي طغت خلال السنوات الأخيرة على المشهديَن السياسي والإعلامي في إيطاليا، إلى أشكال التعبير الفنية من أدب وسينما، وقد سُجّل تكريس الهجرة فيها كمفهوم متجانس وأُحادي البعد، غدا معه التفريق بين صفة المهاجر النظامي والسرّي واللاجئ السياسي وحتى المواطن الإيطالي من أصول أجنبية، مهمّة صعبة.

من بين آخر هذه الأعمال فيلم "بسم الله" لـ أليساندرو غراندي الذي حاز جائزة "دافيد دي دوناتيلو" لأفضل فيلم قصير في إيطاليا لعام 2018، كما خصّصت قبل ذلك مجلّة "Poesia" الإيطالية الدولية في عددها 319 (2016) ملفّاً عن موضوع الهجرة واللجوء بعنوان "أناشيد لمن لا وطن لهم"، لعب فيه الشعراء الإيطاليّون دور المهاجر العربي والأفريقي، لتصوير مشاهد المعاناة التي تكتنفها حياتهم السرية.

وفي الوقت الذي صوّر فيه "بسم الله" مأزق طفلة تونسية أمام مرض أحد أفراد عائلتها المهاجرة بعد ستة أشهر من الإقامة غير الشرعية في إيطاليا، ركّز الشعراء، على غرار فرانكا مانتشينيلي (1981) وهي أحد أبرز الأصوات الشعرية الشابّة في إيطاليا، على وصف ما تكتنفه رحلات الهجرة على قوارب الموت؛ حيث هيمنت على مفردات الشاعرة حالة مأتمية ولغة متقطّعة ومفكّكة لصور منفصلة متّصلة عكست الروح المنكسرة والشريدة للاجئين.

وساندتها في ذلك ماريا غراتسيا كالاندروني (1964) التي عُرفت بالتزامها بالقضايا العالمية الكبرى، إذ نُشرت لها في ذات الملف قصيدة صوّرت حالة أمّ ثكلى فقدت ابنها في عرض البحر، في مرثية إنسانية تضمّنت أيضاً نقداً لـ"التبلّد" الحسّي الذي أصاب أوروبا أمام فجائع البحر. وقد خلا الخطاب الشعري، لدى كلتا الشاعرتين، من التزويق اللفظي والبهرجة اللغوية بما يتوافق مع سوداوية الثيمة التي كتبتها الشاعرتان بعاطفة قوية.

وبالرغم من البعد الإنساني الذي يتبنّاه الخطاب الفنّي الإيطالي حيال هذا الموضوع، إلّا أنه يغفل في عمومه عن تقديم الهجرة كنزعة طبيعية عند الأفراد تندرج في إطار حرية تكفلها الفطرة البشرية في التنقل. لينصب في دعم توجه وسائل الاعلام الإيطالية التي تسعى لتكريس مفهوم الهجرة بوصفه فعلاً قهرياً ناتجاً عن حالات انهيار جماعية لمعنويات شعوب قرّرت ترك بلدانها الأصلية تحت وطأة اليأس وانسداد الآفاق، خالعةً بذلك عن جماعات بأكملها أي ملمح من ملامح التفاؤل والإقبال على الحياة والأمل.

في المقابل، وخارج هذا الملف، نجد سيموني سيبيليو (1979) في قصيدة "هبة" أو "العطية المقدّمة من الجنوب إلى الشمال" يعزو إلى المهاجر، على نحو غير مألوف في الأدبيات الإيطالية، صفات الإشراق والخصوبة والصلابة المعنوية والتناغم الفطري مع الطبيعة، مغرّداً بذلك خارج سرب "الاستبليشمنت" الذي يسعى لتكريس مفردات اليتم والإحباط والوجوم، عندما يتعلّق الأمر بالمهاجرين وما يرافق ذلك من تعتيم تام عن حجم الموارد البشرية الضخمة التي استفادت منها أوروبا مؤخّراً بفضل الهجرة تحت مسمياتها المختلفة.

هنا ترجمتنا للقصائد الثلاث.


■ ■ ■


أناشيد لمن لا وطن لهم

ماريا غراتسيا كالاندرونيماريا غراتسيا كالاندروني*

قبالة البحر هذا الميتم
لا عالم مُثل فيه، قوةٌ مسلّحة

لهذه التعاسة المنيعة
التي لم يعد لها أحد تتطلّع إليه
وتحسده على الحياة

نحن هم المتبلّدون، نعيش حيواتٍ
مسلّحة
حتى لا نتعرّف على خوفنا في خوف
الآخرين، نفَسنا
في نفَس
الآخرين - النفَس الواحد
في كتلة هذا النفَس البشري الذي ينتفخ ولا يسعه
إيقاف الموجة

فلتتخيّل أنها
حياتك أنت هي التي تطلب اللجوء

فلنتخيّل أنه
عالمُ مُثلنا اليائس
هو الطافح
برغبةِ أن يولد من جديد

فلنتخيّل أنها أجسادنا
هذه هي الأجساد المتروكة
للتهاوي في ميتم اللامبالاة

الهجران المطلق لولادة يتيم، يشبه دون شك الهجران الذي تُقذف فيه كل روحٍ من هذه الأرواح
التي تطلب أن تولد من جديد

عندما يكون الأطفال هم الميتون، تعجز حتى الكلمات. وحتى في الصلوات الكنسية، في تلك الحالات النادرة والرمزية، نلجأ إلى الكناية لمواساة "مريم" على فقد ابنها...

بياضٌ فوق طاقة الإنسان من حطب ميت
ـ ابني أنا
مصنوع من لحم
بشري
قابل للاحتراق،
للتعفن
ابني أنا

عند احتراق
الملح، تعرّفت على رائحة خشبك
وتحت مختبر الشمس، تعرّفت على ذلك العطر المرهف للجلد الطازج والقطن
المغسول - بعدها
للحظة، تعرّفت على نظرة عينيك
التي حملتها معي، إلى هذه الحياة
التي لن تأتي بعد اليوم.


* Maria Grazia Calandrone شاعرة وصحافية ومسرحية إيطالية من مواليد 1964 في ميلانو. صدر لها العديد من المجموعات الشعرية والنثرية والأعمال المسرحية؛ آخرها مجموعة شعرية بعنوان "بستان البهجة" (2019) عن "أرنولدو موندادوري"، وفي النثر: "عالم آخر، هو نفس العالم" (2019) عن "منشورات أرانيو".


■ ■ ■


هِبة

سيموني سيبيليوسيموني سيبيليو**

أرى الضفة، ها هي ذا
تنبسط على أعيننا بسخاء
بقلب حمامة
وجناحين من بلّور
تصبغ الماء بحلقات
كصدمات كهرباء
تعبر البدن
لتبعث فيه الحياة.
أنتظرها.
أن تتلمّس المرجان المُهدى على شرفها
أنتظرها أن تحضنني كأم
تترقّب على العتبة منتهى رحلة ابنها
تشتهيني
وكأني ما ضاع من لقاءٍ
يرأب المسافة بين أراضٍ تصغي إلى بعضها
تتلقّى مِنحي أنا لها
هِبة الرسوّ.

ها هي ذي، الضفّة
تبتسم مع وميض الإشارة
تتكلّس العظام
تتبلل الشفاه
يتهدهد الهواء
تتوهج الغيمات في مرآة
الماء
على طول الطريق الفيّاض، مثلها
بمنحنيات سخية، بضّة، هنيّة

ذي هي المنارة تبادهنا
بقوس قزحها
تعزف أنغام نصر، تغرف من التاريخ
تغري قصيدة تُزهر من نسيج الحياة،
الصدفة هذه أسيرتنا.

نجمع الأثواب والأكياس
المهجورة في الزوايا
ومن على مسامير الخشب المتشقّق
نرتدي النعال، الملاحف أو الجوارب
تكتحل النساء بالدموع
يمزّق الأبناء أصابعنا
تسربلنا حرارة اللحوم المتجمّعة
كأحطابٍ
تصدّ هجمة البحر العاصفة

تمخّضت الليلة فجراً بلا آلام
بلا تكاليف إضافية
بلا ممرّضات أو ضمّادات طبية
بمفردها،
قطعت الحبل السري للرحلة.
يجتاحنا الفجر
ويشبهنا،
ذا الفجر ينبلج داخلنا نشوة
فجر قد لا يكون سوانا
نحن الأجسام المترحّلة
بين أنقاض يومٍ يلاحقنا
نحن أثر المسيرة
التي لا تستسلم ولا تنقطع
نحن عبرة الحياة
وفُحش شططها.


** Simone Sibilio شاعر ومترجم وأكاديمي إيطالي من مواليد 1979 في نابولي، نُشرت قصائده في عدد من الدوريات الإيطالية والدولية من بينها "Q Code Magazine" و"الموجة الثقافية". له إصدارات في الترجمة والنقد؛ منها "الذاكرة الأدبية للنكبة الفلسطينية" (2013) عن "منشورات كيو"، و"في الحرب لا تبحثوا عنّي" (بالاشتراك، 2018) عن "لومونيي ـ موندادوري".


■ ■ ■


ثلاثة أشعار

فرانكا مانتشينيلليفرانكا مانتشينيللي***

خطوة في العتمة، أحدهم دُفن - تُغمض عينيك تعمل بكد وفي آخر اليوم شطيرة خبز، قليل من الماء المالح. لا زلت أسأل متى يحين دوري، البحر لا يُرى كوجوه هؤلاء الحرّاس الحالكة - صمت، أو ركلات بنادق إذا واصلت الكلام.

طلع النهار، الريح لن تهب.
نركض بين منارات وعصي - عند الرصيف
صفيحة معدنية من بضعة أمتار قارب.
صاحوا كبيرٌ الله،
غادَرْنا بأكتاف متحدة، كاتمين -
كلّ منّا نفَسه
المحرّك ينطلق في النحيب.

كحمولة كلنا نضغط
في سبيل حياة أُخرى
الهواء
ينعدم
مثل أم.
- نضالٌ بالسيقان والأذرع
لن يُفرغوا البحر.
ينزل القارب في تابوت.


*** Franca Mancinelli شاعرة إيطالية من مواليد 1981 بفانو، حصلت عام 2007 على جائزة "أكويلا" للإصدار الأول وجائزة "جوزيبي جوستي". صدرت لها أربع مجموعات شعرية؛ آخرها "على بعد ساعة من النوم" (2018) عن "منشورات إيتاليك"، و"كُتيّب العبور" (2018) عن "منشورات آموس"، وتُرجم مؤخّراً إلى الإنكليزية.

تعليق: