قسنطينة... دهشة بين جسور وصخور

قسنطينة... دهشة بين جسور وصخور

12 يونيو 2015
الصورة

مشهد من قسنطينة يبدو فيه أحد جسورها

+ الخط -
أمضى بطل رواية الطاهر وطّار (الزلزال) سحابة نهار واحد يجول في مدينته قسنطينة، والتي كان قد عاش فيها طويلاً، ثم جاء إليها من الجزائر العاصمة، بعد غيابه عنها ستة عشر عاماً، ليفتش فيها عن أقارب له، لعله يوزّع أراضٍ زراعية له عليهم، تحايلاً على قانون تأميم زراعي. تألفت الرواية (1974) من سبعة فصول، أعطاها وطّار أسماء الجسور المعلقة السبعة للمدينة الجزائرية، الاستثنائية في تضاريسها وجغرافيتها، وأظنّه فريداً جداً وصفُها بأنها "مدينةٌ صخرية"، فلا يجوز اعتبارها جبليةً، وإنْ تقومُ على مرتفعيْن عالييْن، هما صخرتان عظيمتان، على ما شاهدتُ، وعلى ما سمعتُ من شروح، في تجوالي فيها، بصحبة الصديق الشاعر العراقي، شوقي عبد الأمير، وبرفقة مضيفين لنا. كان بطل الطاهر وطّار ذاك يستدعي إلى خواطره، في سيْرِه في قسنطينة، ماضيه فيها، فيما أنا أزور المدينة أول مرة، وأحاول لملمة تفاصيلها ما أمكن، أما شوقي فله، هو الآخر، ماضٍ بعيد فيها، وفي أثناء تجوالنا، كان يؤشر إلى مطارح وزقاق وشوارع وساحاتٍ اختبرها وعايشها، إبّان عمله مدرساً في قسنطينة، في عام 1971.

لا معالم لقسنطينة باقيةٌ في ذاكرتي من رواية (الزلزال) التي طالعتها قبل نحو ثلاثين عاماً، في طور التعرّف إلى أدب الطاهر وطّار الذي جاز اعتباره واقعياً اشتراكياً، وهي تحمل إدانةً لبطلها العقيم، والذي يناهض إصلاحاً اشتراكياً بادرت إليه الدولة الجزائرية في الموضوع الزراعي. أما المعالم التي احتفلت بها عيناي في ليل قسنطينة، وفي ظهيرةٍ وعصريةٍ فيها، فلن تُنسى، فلم أر، ولا أظنني سأرى، مدينةً عاليةً، لها فوقٌ يقيم عليه الناس والعمران، ولها تحتٌ فيه نهر طويل وواد مهول (ينفع لانتحار العشاق الخائبين). بياض المباني القديمة والعتيقة الجديدة، بسقوفها الحمراء، مشهد شديد الأناقة، تلمس فيه عيناك حذاقة بنّائين ومعماريين، منذ أزمنة الرومان والبيزنطيين، مروراً بالحفصيين والعثمانيين، وصولاً إلى راهنٍ، يُفرحك من يحدثونك عنه أنه عملٌ في عمل، من أجل المدينة التي يعود بناؤها الأول إلى 2500 عام، وتُحسب عاصمة الشرق الجزائري، وتعد مدينة علم وأدب كثيريْن، وينتسب إليها الفقيه المجاهد، عبد الحميد بن باديس، وأدباء أعلام، منهم كاتب ياسين ومالك حداد (ليس منهم الطاهر وطّار). 

كانت سبعة جسور في (الزلزال)، غير أنها الآن تسعة، بنى الرومان ثلاثةً منها صمدت بالترميم والعناية الدائمين. أحد الجسور يعد الأعلى في إفريقيا، وآخر هو أضخم جسر حجري في العالم. اكتمل أحدثها قبل شهور، وجاء باهراً في تصميمه وسعته. تأخذنا السيارة في هذا كله، وتعبر بنا أنفاقاً، ونلحظ كهوفاً ومغاور، ونرى مياهاً على صخور تنبطح عظيمة بسكونها وثباتها. ونشاهد أنواراً في ليلٍ متأخر، في أمن وأمان وديعيْن. أما أنوار مسجد الأمير عبد القادر، الأكبر في كل الجزائر، بمئذنتيه الشاهقتين البديعتين، فتشعُّ بهاءً شفيفاً في كل فضاء قسنطينة التي تعجب من عثمانية مستشفىً فيها، باق على معماره وخدماته، وبساطة أبوابه. كما تدهشك مؤاخاة المشرقي مع الأندلسي في معمارٍ ظاهر في غير مطرح في المدينة. 

وإلى العمران والبنيان، ثمّة ناس قسنطينة الفرحون بمدينتهم، عاصمةً للثقافة العربية هذا العام، فتكاد الاحتفالات والتظاهرات الفنية والثقافية فيها لا تتوقف. حظيتُ وشوقي بحضور تكريمٍ لشبان من عموم الجزائر فازوا في مسابقات أدبية، وبالاستماع في الأثناء لموسيقى وطرب "المالوف"، بأداء فرقة جزائرية أجادت كثيراً. وأعقبت سهرتنا البديعة هذه سهرةٌ في ليلة تالية، غامرة ببهجة كثيرة، أقيمت وفاءً للراحلة الباقية، وردة الجزائرية، غنّى أغنياتٍ لها مغنون عرب، بحضور نجوم عرب (بينهم إلهام شاهين للأسف). ثم أغادر قسنطينة صباحاً، وفي حواشيّ انشراح غزير، وشكر كثير لوزير الثقافة الجزائري الصديق، الشاعر والروائي عز الدين ميهوبي، الذي أتاح لي كل هذه الدهشة الآسرة.