قرية عراقية خالية من الرجال

24 سبتمبر 2019
الصورة
أمهات لا يعرفن مصير أبنائهن (عطا نيكار/فرانس برس)
+ الخط -
في قرية صغيرة تتبع مدينة الصقلاوية بمحافظة الأنبار غربي العراق، يغيب عنها رجالها منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بسبب الاختطاف الذي تعرضوا له عقب تحرير المدينة من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي. ويُقدر عدد المختطفين من المغيبين حالياً، بنحو ألف رجل، وكلهم من قبيلة "البو عكاش" بقرية الأزركية.

وبالرغم من مطالبات ذوي المفقودين، وهم الباقون في القرية من النساء والأطفال بالكشف عن مصير ابنائهم منذ سنوات، إلا أن "الجهة المعروفة" التي اعتقلت رجال القرية وشبانها تبدو القابضة على القرارات الحكومية في بغداد، كما يقول الأهالي لـ"العربي الجديد".

وتوجه اتهامات إلى مليشيات مرتبطة بإيران بارتكاب عمليات قتل وتغييب بحق المئات من أبناء المدن المحررة، وإيداعهم في سجون ببلدة جرف الصخر التابعة لمحافظة بغداد، ومناطق أخرى في جنوبي بغداد وبالقرب منها.

ومع زيادة التأكد من أن المليشيات المتورطة بعمليات الخطف تمنع المسؤولين الحكوميين من الاقتراب من جرف الصخر، تتسرب الجثث تدريجياً من البلدة لتُدفن بطريقة سريعة وسط تعتيم إعلامي متعمد من أحزاب السلطة بالبلاد.

يقول مدير ناحية الصقلاوية، سعد غازي لـ"العربي الجديد" إن "الصقلاوية شهدت واحدة من أفجع العمليات الإرهابية، فقد اختطف أكثر من 970 رجلاً من قرية البو عكاش عقب تحرير المدينة مباشرة"، مبيناً أن "عملية الاعتقال جاءت بحجة التدقيق الأمني، ولكن الجهات المعروفة التي اعتقلت الرجال، عادت من التحقيق بلا أبناء القرية، وهم منذ سنوات لا يجيبون على أسئلتنا المتعلقة بأماكن احتجاز الرجال، ومعرفة مصيرهم إن كانوا أمواتاً أم أحياء".

وتابع أن "عوائل وذوي المفقودين يعانون من جوع وأوضاع معيشية متردية، فهم بلا مصادر رزق، ولم يبق في القرية سوى الأطفال والنساء، والأهالي حالياً يُطالبون بمعرفة مصير أبنائهم، فإن قتلوا نتعامل معهم كشهداء ولهم حقوق، وإن كانوا أحياء فلا بد من الإفراج عنهم".


من جهته، قال يحيى المحمدي، وهو نائب في البرلمان العراقي ممثلاً عن أهالي الصقلاوية، إن "قرية الأزركية التي تسكنها عشيرة البو عكاش، جميع رجالها مختطفون ومفقودون"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "كل الحراك السياسي الذي تقوده أحزاب الأنبار وشخصياتها المدنية ووجهاء العشائر، لم يُسفر عن أي تقدم بملف المغيبين ولا بمعرفة مصيرهم ولا برعاية ذويهم، وهذا تقصيرٌ تتهم الحكومة المركزية به، لأنها لم تقل لنا منذ سنوات إن كان المختطفون في سجون البلاد الرسمية أم في سجون أخرى غامضة".

أما فهد الراشد، عضو المجلس المحلي في الأنبار، فقد أشار إلى أن "هناك مختطفين من الصقلاوية والرزازة، وهناك حراك سياسي مستمر من أجل الكشف عن مصيرهم"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "المشكلة في بعض الجهات السياسية والحزبية التي باتت تستغل الملف لأغراض سياسية ومصالح شخصية، دون الاكتراث لظروف الأهالي ومعاناتهم، وتهدف حركاتهم الإعلامية لإرباك الوضع السياسي وضرب مصالح الأهالي التي لا تنسجم مع مصالح الأحزاب، أو تؤثر على العلاقات بين حكومتي الأنبار وبغداد".

وتزداد المخاوف من حصول حالات إعدام جماعي للمختطفين، لا سيما بعد أن تواصل خلال الشهرين الماضيين الإعلان عن دفن جثث جديدة في العراق تحت عنوان "مجهولة الهوية"، دون الكشف عن أسماء الضحايا وسبب مقتلهم أو مكان العثور عليهم، والمشتبه بقتلهم وسبب تجميعهم.

واللافت أيضاً أن الجثث تصل على دفعات، ويكون عددها أحياناً 100 جثة في الدفعة الواحدة، وتدفن دون تنفيذ القانون القاضي باستدعاء ذوي المفقودين والسماح لهم برؤيتها، عسى أن يتعرفوا على فقيدهم.

والشهر الماضي كشف عن دفن أكثر من 200 جثة على دفعات، واحدة ضمت 75 جثة، والثانية 125 جثة، والثالثة 31 جثة مجهولة، ليعلن مجلس محافظة كربلاء قبل يومين تسلم 40 جثة جديدة قادمة من بغداد ودفنها على أنها مجهولة الهوية، دون معرفة تفاصيل عن هويات أصحابها أو مكان قتلهم.