قرن من المأساة

01 نوفمبر 2017
الصورة
تندلع المواجهات مع مرور كل ذكرى (مصطفى حسونة/الأناضول)
حل الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، لتكتمل معه المئوية الأولى لوعد بلفور الذي بُني على معاهدة "سايكس بيكو" التي تمرّ ذكراها هذا العام. وكان الوعد الذي "أعطى من لا يملك لمن لا يستحق" في جوهره سياسة تخدم الرأسمالية الإنجليزية بالأساس، حيث قررت أن تستغلّ وضع اليهود في أوروبا (والعالم) من أجل أن يوظّفوا في خدمة سياسة استعمارية إمبريالية، وأن يُلقوا للتهلكة خدمة لمصالح تلك الرأسمالية. في الوقت الذي تفضي فيه إقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين إلى فِعْل مجزرة بحق شعب يعيش منذ آلاف السنين على هذه الأرض. بهذا جرى تشريد السكان الفلسطينيين ونهب أرضهم ومصالحهم، وإنهاء كيانهم التاريخي، في نفس الوقت الذي أوجدت فيه الرأسمالية الإنكليزية "قاعدة عسكرية" مغلّفة بغلاف مجتمع مدني، هدفها منع البلدان العربية من أن تتطور وأن تتوحد، وبالتالي تكريس تفككها وتخلفها.

فالمشروع الصهيوني كان مشروعاً رأسمالياً قبل أن يكون مشروعاً صهيونياً، وإذا كان هناك مَنْ نظّر بأنه "حل إنساني" ليهود مضطهَدين، فقد كان ذلك هو الغطاء الذي جرى استغلاله من أجل إيجاد جيش من "المرتزقة" يخدم السياسة الاستعمارية، ويضمن به تفكك وتخلف البلدان العربية. بهذا فقد كان اليهود ضحية، وكذلك كان الفلسطينيون، ضحية سياسة إمبريالية تريد السيطرة والنهب وضمان ذلك لقرون طويلة.

ونحن ندخل العام المائة نلمس كل التعقيد الذي تعيشه فلسطين، ويعاني منه الشعب الفلسطيني. فقد تشرّد اللاجئون في الشتات، ويعيش فلسطينيو الأرض المحتلة سنة 1948 وضعاً صعباً نتيجة التمييز العنصري، وبات وضع فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة أسوأ بعد اتفاق أوسلو، حيث يُعزل قطاع غزة ويحاصر، ويظل تحت القصف الصهيوني، وتضيع الأرض في الضفة الغربية يوماً بعد آخر، مع زيادة الضغط الأمني الصهيوني كذلك. ولقد ظهر واضحاً بعد عقود فشل حل الدولتين، بالضبط لأن الدولة الصهيونية تعتبر أن أرض فلسطين كلها هي "إسرائيل"، وأن عليها "جالية عربية" لا بدّ من إبعادها أو حصارها، مع تجريدها من كل الحقوق.

لكن وضع "الشعب المحتلّ" ليس مريحاً كذلك، لأن أوهام المشروع الصهيوني بدأت تتفكك، وأن الصراع الطويل مع منطقة عربية أظهرت العجز عن الاستقرار. وكذلك إن أوهام الهوية الدينية تسقط أمام التطور العام، والتغيرات العالمية تنعكس سلباً على الوضع، والأزمة الاقتصادية التي تحكم الرأسمالية تنعكس بالضرورة على الوضع المحلي، ليتوسع التهميش والفقر. كل ذلك يفرض أن يعاد النظر في كل الأسطورة التي قامت على أساسها الدولة الصهيونية، وتصبح الهوية الدينية محلّ تشكيك كبير، لأن الشعوب يربطها ما هو قومي وإنساني وليس ما هو ديني.

انتهت سطوة إنكلترا، وتسير أميركا في المسار ذاته، بعد أن دخلت أزمة عميقة لا حلّ لها، لكن إرث هذه الإمبرياليات كان الكثير من المجازر والتدمير واستغلال الشعوب، وإيجاد تناقضات بينها على أسس دينية أو طائفية أو إثنية. وكانت فلسطين هي المثال الأبرز على ذلك، وما زالت المأساة قائمة. ولأن القوى الإمبريالية لا تريد حلولاً، بل تسعى لزيادة المآسي، لأنها تفكّر في نهب الشعوب، فلا شك أن على الشعوب أن تقرِّر مصيرها، وأن تنهض من أجل التقدم والتحرر.

بعد قرن من المأساة لا بد أن نعيد طرح القضية بما يحقق مصالح الشعوب. فليس من حلّ في فلسطين إلا بإعادة بناء فلسطين دولة علمانية ديمقراطية. دولة تحلّ مشكلة الاضطهاد والتشريد من دون أن تهضم حقوق أحد.