قراءة في التطبيع/ التحالف الإماراتي والبحريني مع إسرائيل

17 سبتمبر 2020
الصورة

أثناء توقيع الاتفاقيتين في البيت الأبيض (15/9/2020/فرانس برس)

+ الخط -

شهد البيت الأبيض في 15 أيلول/ سبتمبر 2020، مراسم توقيع اتفاقيتي سلام بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وتقوم الاتفاقيتان على تطبيعٍ كاملٍ للعلاقات بين الأطراف الثلاثة. ويمثل ذلك خروجًا صريحًا على "مبادرة السلام العربية" لجامعة الدول العربية عام 2002، التي رهنت أي اعترافٍ عربي بإسرائيل بانسحابها الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، "مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل". 

التكييف القانوني للاتفاقيتين

مع أن الإمارات والبحرين لم تخوضا يومًا حربًا مع إسرائيل، فإن الإسرائيليين أصرّوا على أن تُصاغ الاتفاقيتان بوصف كل منهما "معاهدة سلام"، على غرار تلكما الموقعتين مع كلٍ من مصر عام 1978، والأردن عام 1994. ويعلل مسؤولون إسرائيليون ذلك بأن هذا يعطيهما صبغةً أكثر جدّية، ويتطلب التزامًا أكبر من كل الأطراف، كما أنه يبعث رسالة مفادها بأن هاتين الاتفاقيتين طويلتا الأمد، وليستا مجرّد صفقتين مؤقتتين. ولم يتردّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التأكيد على هذا المعطى، عندما أعلن قبل يوم من مراسم التوقيع أن الإتفاق مع الإمارات سيكون "معاهدة سلام". 

يشير التخلي الرسمي العربي عن القضية الفلسطينية، الى أن الاعتماد بات كليًا الآن على الشعب الفلسطيني، وصلابة إرادته في المقاومة

أما في حالة البحرين، فما تمَّ التوقيع عليه مع إسرائيل فهو "إعلان نوايا لصنع السلام"، ذلك أنه لم يكن هناك وقتٌ كافٍ للتوصل إلى اتفاق مفصّل بين الطرفين خلال مدة قصيرة، كما في حالة الإتفاقية مع الإمارات. وكان ترامب أعلن في 11 أيلول/ سبتمبر أن "البحرين ستطبّع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل مع إسرائيل"، ووصف تلك الخطوة بـ "اتفاقية السلام الثانية" بعد الإمارات. 

الإطار العام للاتفاقيتين 

يشير نصا الاتفاقيتين وملحق معاهدة السلام الإماراتية - الإسرائيلية إلى شكل العلاقة بين الأطراف الثلاثة خلال المرحلة المقبلة، وتشمل: 

 علاقات تحالفية: صحيحٌ أن تطبيع وجود إسرائيل ودورها في المنطقة مهمٌ لها، وكذلك العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج العربية، لكن التوقيع على الاتفاقيتين يجري أيضًا في سياق تشكيل تحالف بين الدول الثلاث (ودول أخرى ضمنًا)، وكانت إرهاصاته حاضرة من قبل، وقد تنضم الدول الأخرى له علنًا. ويقوم هذا التحالف على الأسس والأهداف التالية: 1. إعادة تعريف مصادر التهديد في المنطقة، بحصرها في إيران، وتركيا، والحركات الإسلامية، 2. توسيع مناطق نفوذ هذا التحالف في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي والتدخل في شؤون الدول العربية الأخرى و/ أو التأثير فيها لصالح ما يمثله، 3. العمل معًا في واشنطن للتأثير في سياساتها الإقليمية بحيث لا تتكرر حالةٌ مثل باراك أوباما، 4. التنسيق ضد خطر أي تحولات ديمقراطية في المنطقة بحجة الحفاظ على الأمن والاستقرار.

من هنا، يمكننا أن نفهم تصريح نتنياهو إن ما جرى "هو نقطة تحول هائلة في تاريخ إسرائيل والشرق الأوسط". ويتوافق ذلك مع السياق الأوسع لمقاربة إدارة ترامب للمنطقة، والتي تسعى، منذ عام 2018، إلى إنشاء ما أسمته "مشروع تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" MESA، ويضم دول الخليج العربية إضافة إلى مصر والأردن لمواجهة إيران والجماعات التي تعدها واشنطن متطرّفة. وفي سبيل تحقيق ذلك، عرضت الولايات المتحدة على تلك الدول دمجها في مظلة دفاع صاروخي، وتزويدها بمعدّات وأسلحة حديثة، وتطوير قدراتها الاستخباراتية والعسكرية والتدريبية. وكانت إدارة ترامب تأمل، في حال نجاح مساعيها إلى إنشاء هذا التحالف أن تتمكّن من تخفيض التورّط الأميركي في المنطقة، وتكاليفه عالية، وهو أحد وعود ترامب الانتخابية الذي أكد عليه مرة أخرى في 11 أيلول/ سبتمبر؛ إذ قال: "مع قيام مزيد من الدول بتطبيع العلاقات مع إسرائيل ... ستصبح المنطقة أكثر استقرارًا وأمنًا وازدهارًا. في غضون ذلك نقوم بسحب معظم جنودنا". 

لا تخفي الاتفاقيتان سعيهما إلى إعادة تشكيل وعي المنطقة وثقافتها بما يسمح بدمج إسرائيل فيها، من دون أي تغيير في سلوكها وسياساتها تجاه الفلسطينيين

ومع أن الخلافات الخليجية - الخليجية، وبخاصة حصار قطر عام 2017، أجهضت المشروع حينها، فإن الولايات المتحدة استمرت في بذل الجهود، للتوصل إلى هذه النتيجة، فقد صرّح وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قبل مراسم توقيع الاتفاقيتين، إن الإمارات والبحرين تدركان أن التهديد الذي تمثله إيران حقيقي للغاية، ومن ثمَّ فإنها تعمل مع إسرائيل الآن على بناء علاقات أمنية واقتصادية. وذهب وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، في الاتجاه نفسه في مقالٍ نشر له في صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، قبل يوم واحد من التوقيع على الاتفاقيتين؛ إذ اعتبر أن "تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ... (و) إعلان البحرين عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل ... فرصة لمقاربة جديدة لمواجهة تحديات المنطقة". وأشار ضمنيًا إلى تيارات "الإسلام السياسي" وإيران وتركيا بقوله: "هناك دول غير عربية وقوى فاعلة غير حكومية ... تدافع عن شكل ما من أشكال التطرّف. إنهم يشعرون بالحنين إلى الإمبراطوريات المفقودة أو الهوس بخلافة جديدة. إنهم يبنون ويزدهرون على الصراع والفوضى وعدم الاستقرار. إنهم يهاجمون أميركا وإسرائيل والإمارات. لقد كانوا أشد منتقدي التطبيع. إن التوقيع على اتفاق السلام هذا الأسبوع هو الرد المناسب".

ولا تشذّ البحرين عن هذا الخط، ولكن بشكل أكثر وضوحًا في تحديد إيران مصدر تهديد مباشر لها؛ إذ جاء في بيان أصدره وزير الداخلية البحريني، راشد بن عبد الله آل خليفة، أن إقامة علاقات مع إسرائيل تهدف إلى "حماية مصالح البحرين العليا، وتقوية الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن وسط التهديد المستمر من إيران"، وأن "إيران اختارت سلوك فرض الهيمنة بأشكال عدة، وشكلت خطرًا مستمرًا للإضرار بأمننا الداخلي"، مشيرًا إلى أنه "من الحكمة استشراف الخطر والتعامل معه".

تطبيع شامل

يشير نص معاهدة السلام الإماراتية - الإسرائيلية وملحقها إلى أن الطرفين يتجهان إلى تعاون يشمل جميع المجالات من الاستثمار والطيران والمياه والطاقة والسياحة والصحة والبيئة والاتصالات والزراعة، إلى الأمن والتكنولوجيا والعلوم والفضاء. وأشار ترامب في خطابه، قبل بدء مراسم توقيع الاتفاقيتين، إلى أن الدول الثلاث "ستنشئ سفارات وستتبادل السفراء، وستبدأ في التعاون والعمل معًا بقوة، شركاء في مجالات متعددة". أما في إعلانه عن لحاق البحرين بالإمارات، في 11 أيلول/ سبتمبر، بعد مكالمة هاتفية مع العاهل البحريني، حمد بن عيسى آل خليفة، ونتنياهو، فقد قال ترامب إنهما اتفقا على أن "تطبّع البحرين علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل مع إسرائيل، وعلى تبادل السفارات والسفراء، والبدء في رحلات جوية مباشرة بين بلديهما، وإطلاق مبادرات للتعاون في مجالات متعددة، بما في ذلك الصحة، والأعمال التجارية، والتكنولوجيا، والتعليم، والأمن، والزراعة". 

تأتي الاتفاقيتان أكثر انسجامًا مع "خطة ترامب" التي أعلنها في يناير 2020 لحل الصراع، ورهنت قيام دولة فلسطينية بشروطٍ على الفلسطينيين تلبيتها أولًا

وكان الإعلان المشترك بين الإمارات وإسرائيل، في آب/ أغسطس 2020، قد نص على موافقة كل من نتنياهو وولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، على إجراء تطبيع كامل للعلاقات، يشمل توقيع اتفاقات ثنائية في كافة المجالات "ذات المنفعة مشتركة". وقد نفذ بعض من ذلك في الزيارة التي أجراها وفد أميركي - إسرائيلي مشترك إلى أبوظبي في 31 آب/ أغسطس. وأكد نتنياهو، قبل مغادرته إلى واشنطن، أن اتفاقات السلام مع أبوظبي والمنامة ستدر على الاقتصاد الإسرائيلي مليارات الدولارات من الاستثمارات والتعاون الاقتصادي. 

وبشأن ما أثير حول رغبة الإمارات في شراء طائرات إف - 35 الأميركية، فإن نتنياهو ليس لديه مانع من تزويد الإمارات بهذه الطائرات في إطار التحالف بينهما، كما أنه يمكن أن يعترض على ذلك لفظًا لإرضاء الناخب الإسرائيلي اليميني المتطرّف، ويمكنه أن يقول لاحقًا، حين تتم الصفقة، إنه لا يقرّر، بل من يقرّر هي الولايات المتحدة.

حل الدولتين في الكلام لا في النص 

على الرغم من حرص وزيري الخارجية الإماراتي والبحريني، في كلمتيهما خلال حفل التوقيع على اتفاقيتي السلام مع إسرائيل في البيت الأبيض، على ذكر حل الدولتين، وذكر البحريني "أن حل الدولتين العادل والشامل والدائم للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي سيكون الأساس والقاعدة الصلبة لمثل هذا السلام"، من دون تحديد حدود 1967 والقدس عاصمة، فإن نص الإتفاقيتين لم يشر أبدًا إلى هذا الموضوع، ولا حتى بهذه الصياغة المبتورة، بل اكتفى في صدر الصفحة الثانية من المعاهدة الإماراتية - الإسرائيلية على تأكيد الحاجة "إلى إيجاد حل سلمي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي بما يحقق حاجات وتطلعات الشعبين"، وهذه لغة "صفقة القرن". ولم تشر المعاهدة إلى أية مرجعيات لهذا الحل، فلم يُذكر فيها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242 ولا مبادرة السلام العربية.

تمثل الاتفاقيتان، الإماراتية والبحرينية، مع إسرائيل، تحولًا جيوسياسيًا عميقًا في المنطقة تقوم على تطبيع وجود إسرائيل وتقبل دورها في المنطقة، وجعلها محور رحاها أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا

والواقع أن الاتفاقيتين تأتيان أكثر انسجامًا مع "خطة ترامب" التي أعلنها في كانون الثاني/ يناير 2020 لحل الصراع، ورهنت قيام دولة فلسطينية بشروطٍ على الفلسطينيين تلبيتها أولًا. فضلًا عن أنها تفرض عليهم تنازلاتٍ جوهرية في قضايا الصراع المركزية، كالسيادة والأرض والحدود والقدس واللاجئين والأمن والمياه والمستوطنات وطبيعة التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المفترضة. وكانت كل من الإمارات والبحرين قد حضرتا إطلاق الخطة التي قاطعها الفلسطينيون. علاوة على ذلك، تؤسّس هاتان الاتفاقيتان لمرحلة جديدة عربيًا؛ إذ لم يعد حل القضية الفلسطينية شرطًا لإنشاء علاقات مع إسرائيل، وهو الأمر الذي يؤكده نتنياهو نفسه، عندما قال: "من كان يحلم يومًا بوجود اتفاق سلام مع دولة عربية دون عودتنا إلى حدود عام 1967". 

غموض بشأن قرار الضم

لم يرد في نص الاتفاقيتين أي إشارة إلى مستقبل الخطط الإسرائيلية الخاصة بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة. ومع أن عبد الله بن زايد أشار، في خطابه قبل حفل التوقيع، موجهًا كلامه إلى نتنياهو قائلًا: "أشكرك على اختيارك السلام ووقف ضم الأراضي الفلسطينية. هذا قرار يعزّز إرادتنا المشتركة لتحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة"، فإن ترامب اختار في المقابل تجاهل سؤال عما إذا كانت حكومة نتنياهو ستمضي في قرار ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. أما الإعلان المشترك في آب/ أغسطس الماضي فنصّ على "تجميد"، وليس "وقف" قرار الضم الإسرائيلي. وبحسب تقرير لصحيفة تايم أوف إسرائيل، فإن الإمارات حصلت على تعهد من إدارة ترامب بعدم الموافقة على أي قرار إسرائيلي بضم أجزاء من الضفة الغربية قبل عام 2024، إذا نجح ترامب لدورة ثانية. ومع ذلك، ظل نتنياهو يراوغ، وهذا ما دفع رئيسة مجلس النواب الأميركي، الديمقراطية نانسي بيلوسي، إلى مطالبة إدارة ترامب بتوضيح موقفها بشكلٍ لا يحتمل اللبس. 

وضع المقدّسات الإسلامية

تثير إشارة ترامب، في خطابه قبل توقيع الاتفاقيتين، إلى "المواقع التاريخية في إسرائيل" التي "فتحت اتفاقية أبراهام الباب أمام المسلمين في جميع أنحاء العالم  "لزيارتها، والصلاة بسلام في المسجد الأقصى في القدس"، مخاوف من أن الإمارات والبحرين ربما قبلتا عمليًا بالقدس الموحدة عاصمة لدولة الاحتلال، ومن ثمّ سيطرتها على المقدّسات المسيحية والإسلامية، وبخاصة أن الدولتين كانتا رحبتا من قبل بخطة ترامب للسلام التي تؤكد على ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا لن يعد مسًا فحسب بمطلب الفلسطينيين أن تكون "القدس الشرقية" عاصمة للدولة الفلسطينية، بل اعترافًا أيضًا بـ "القدس الموحدة" عاصمة لإسرائيل. 

خاتمة

تمثل الاتفاقيتان، الإماراتية والبحرينية، مع إسرائيل تحولًا جيوسياسيًا عميقًا في المنطقة، بحسب مقاربة إدارة ترامب، تقوم على تطبيع وجود إسرائيل وتقبل دورها في المنطقة، وجعلها محور رحاها أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا. ولا تخفي هاتان الاتفاقيتان سعيهما إلى إعادة تشكيل وعي المنطقة وثقافتها بما يسمح بدمج إسرائيل فيها، من دون أي تغيير في سلوكها وسياساتها تجاه الفلسطينيين. ويشير التخلي الرسمي العربي عن القضية الفلسطينية، كما اتضح في رفض جامعة الدول العربية إدانة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، وخروجها على "المبادرة العربية للسلام"، الى أن الاعتماد بات كليًا الآن على الشعب الفلسطيني، وصلابة إرادته في المقاومة، وأيضًا على رفض الشعوب العربية وإفشالها أشكال التطبيع كافة مع إسرائيل، ليزيد ذلك من عمق الهوّة التي باتت تفصل بين الشعوب العربية وأنظمتها الحاكمة.