قراءة حلبية/ جرابلسية

28 اغسطس 2016
الصورة
لامني أصدقاء، عندما قلت إن فك حصار حلب يؤسّس واقعاً جديداً بالنسبة لمسار الثورة السورية، من علاماته أن ما تم إنجازه ميدانيا هناك لن يكون قابلاً للإلغاء، لأن إلغاءه يتجاوز هزيمة الثورة إلى هزيمة تركيا التي تعمل على أكثر من محور وجبهة، داخلها وخارجها، للرد على ما يدبر ضدها من تهديدٍ يطاول وجودها، وتصرفت بروحية من يرد خطراً مصيرياً عن نفسه، عبر حلب، حيث تركّزت، في العام الأخير، مخاطر تحمل دلالاتٍ قاتلةً بالنسبة لها، قدر ما تحمل مثل هذه الدلالات بالنسبة لثورة سورية وشعبها، لا عجب أنها فرضت عليهما شراكة مصيرٍ انتقلت بتركيا من التعامل المتوجس مع ما يجري إلى مجابهته برؤيةٍ صراعيةٍ استراتيجية الأبعاد، يتطلب تطبيقها ممارسة دور هو ضمانة إقليمية/ دولية الأبعاد لثورة سورية التي كانت قد بلغت، بحصار حلب، لحظةً مفصليةً حاسمةً، اعتبرها النظام و"مستشاروه" الإيرانيون انتصارهم النهائي ضد السوريين، وقرأها الروس خطأً، حين طلبوا من شعب حلب مغادرة مدينته، ومن مقاتليها إلقاء سلاحهم، فجاء الشعور بالخطر الوشيك تركياً إلى الانخراط في شراكة مصيرية مع الثورة، ما لبثت أن قلبت الموازين، وأخذت الأوضاع إلى حال مغايرة لما وجد السوريون أنفسهم فيه، معظم الوقت بعد ظهور "داعش"، ودورها الإجرامي لصالح الأسد ونظامه، فكان من الطبيعي أن تترجم شراكة المصير إلى جهد ميداني يفك قبضة حلف الإجرام الأسدي/ الإيراني/ الروسي عن حلب، ويطرد شريكه الداعشي من جرابلس، وأن يتلقى الحلف في المدينتين ضرباتٍ ستكون نتائجها مما سيصعب على الأسدية المتهالكة، وملالي الإجرام والعدوان في طهران، وقفه، أو مواجهته في مقبلات الأيام، ولو بلغ عدد طائرات فلاديمير بوتين ألفاً.
ليس ما حدث قابلاً للإلغاء، لأن شراكة المصير التركية/ السورية ليست قابلة للإلغاء، فيما يتصل بالعلاقة مع التكامل الأسدي/ الداعشي. وإذا كان من الضروري تعداد إنجازات الشراكة في الأسابيع القليلة الماضية، فهي:
أولاً وقبل كل شيء، إبطال مشروع صالح مسلم الانفصالي، الذي توهم أنه سينجح في فرض كيان دولوي خاص بحزبه، على العرب والكرد السوريين والعراقيين، وعلى تركيا وإيران، وروسيا وأميركا، وصدّق أن استخدام مرتزقته في الحرب ضد "داعش" يحتم موافقة واشنطن على أوهامه، وها هي تكشر عن أنيابها في وجهه، بمجرد أن طرح الرئيس التركي، أردرغان، عليها الاختيار بين مشروع مسلم المستحيل ومصالحها في تركيا ومعها.
ثانياً، إخراج "داعش" من معادلات الصراع في سورية، وبداية عودة هذه المعادلات إلى ما كانت عليه بعد الثورة، البديل الديمقراطي هو الخيار الوحيد بعد إسقاط الأسد. أخرجت شراكة المصير، بوضعها خطّا أحمر للنظام وإيران في حلب، ولصالح مسلم في الشمال السوري، الإرهاب من حسابات البدائل السورية، وعزّزت، بدعهما معركةً ينفرد الجيش الحر، بخوضها من دون أية إضافات "غير معتدلة"، فرص البديل الديمقراطي الذي بنيت وثيقة جنيف والقرارات الدولية على حتميته، وتطرحه اليوم شراكة المصير بديلاً وحيداً للنظام. عند هذه النقطة، سيكون من المهم والمصيري أن تقوم جبهة فتح الشام بخطوةٍ إضافية، تستعيد، بواسطتها، وتؤكد بصورة علنية وملزمة، وعودها الأولى حول قبولها الاختيار الشعبي الحر لبديل النظام، وتعهدها بعدم استخدام العنف لتحقيق أهدافها السياسية، بعد إسقاط الأسد، وقبولها فكرة الشعب السوري الواحد ووضع جهادها في خدمة جميع مكوناته، بما في ذلك العلوي منها. ومع أنني أعي صعوبة المطلب الأخير ، فإنني أعتقد جازماً أن تحولاً كهذا في مواقف جبهة النصرة سيلعب دوراً حاسماً في تهيئة الأجواء السورية والعربية والدولية لإسقاط النظام، من دون أن تستبعد حرية بلاد الشام الخيار الإسلامي، الحر والسلمي.
مع فك الحصار عن حلب، وتطهير جرابلس من حلفاء الأسد، تتاح لنا فرصةٌ، إن أحسنا الإفادة منها، أخذتنا إلى حل عادل، لا محل للأسد والإرهاب فيه.