قراءات عن التخلف السياسي

19 يوليو 2020
الصورة

على الرغم من أنه لا يوجد اتفاق موحد على المداخل والعوامل التي يمكن وصفها بأنها مؤكّدة لنجاح تجارب التحوّل الديمقراطي، وعلى الرغم من أنه كان لكل تجربةٍ حدثت في العقود الأخيرة خصوصيتها ولا يمكن نسخها، إلا أن في تجارب التحوّل الديمقراطي، في جميع موجاتها، يكون دور كبير لقوى المعارضة بجميع مكوناتها، وكذلك أهمية كبرى لمن يطلق عليهم الإصلاحيون داخل النظام، وقد يؤدّي غياب تلك المجموعات إلى كوارث كبيرة بعد ذلك.

وتفيدنا الكتب والدراسات عن التحول الديمقراطي بأن هناك عدة أشكال له. فهناك التحوّل التدريجي طويل المدى، الذي يُحصَل في أثنائه على مكاسب جديدة كل فترة بعد نضالات جديدة، وكسب مساحات جديدة كل عدة سنوات، وكثير من المثابرة، حتى تحدث لحظة التغيير بالتفاوض أو بالانتخابات. وهناك الإحلال، حيث تُستبدَل نخب حاكمة بنخب أخرى. وقد تكون الوسائل ثورية أو تقليدية كالانتخابات، ولكن ذلك لا يعني تغييراً كبيراً في منظومة الحكم. وهناك كذلك الإحلال التحولي طويل المدى، حيث تُستبدَل النخب الحاكمة من طريق الإحلال، وكذلك إضافة مزيد من الإجراءات الديمقراطية على المدى الطويل.

في بعض كتابات صموئيل هنتنغتون ولوسيان باي، نجد أن هناك سمات للتخلف السياسي، منها غياب الرشادة في السلطة وعدم وجود آليات للمحاسبة، وصعوبة أو استحالة السماح بتداول السلطة، بجانب تركّز السلطة في يد شخص واحد أو هيئة واحدة، بالاضافة إلى تدني نسبة المشاركة السياسية من طريق عزوف المواطنين وغياب الثقة، أو بسبب منعهم من المشاركة السياسية، وكذلك سوء توزيع الموارد واحتكارها من فئة واحدة أو طائفة أو حزب ما. ومن مؤشرات التخلف السياسي أن تظن فئة ما أنها الأجدر بالقيادة والأحق بتوزيع الامتيازات، وهذا ما حدث كثيراً في دول أفريقية عديدة بعد الاستقلال، أو ما يحدث في دول عديدة في العالم الثالث من امتيازات غير محدودة للطبقة العسكرية، تحت دعوى أنهم من يقدّمون التضحيات وقت الحروب.

الثورات والطرق الساخنة للتغيير معرّضة للفشل بنسبة كبيرة، إن لم يكن في المجتمع نخب مثقفة تقود تلك التحرّكات بعد ذلك

ويشير البروفيسور لاري دايموند إلى أهمية ضبط العلاقات المدنية العسكرية، بالتزامن مع خطوات التحول الديمقراطي، فتجارب كثيرة في الديمقراطية فشلت، وجرى الانقلاب عليها بسبب تلك النقطة الحساسة. فالعقلية العسكرية تعتمد على فكرة الأوامر والسمع والطاعة، بالإضافة إلى ضرورة سرّية المعلومات وحجبها عن الآخرين، ولذلك تكون مصطلحاتٌ، متعارف عليها في الدول الديمقراطية، مثل الديمقراطية وحرية الرأي والمشاركة الشعبية والنقاش المجتمعي وحريّة تداول المعلومات مصطلحاتٍ ومفاهيم غير مفهومة لدى العسكريين. ولذلك، النصائح هنا هي ضرورة تحديد مدى تأثير المؤسسة العسكرية وتدخلاتها في أثناء وضع تفاصيل التحول الديمقراطي، وكذلك السعي إلى أن يكون منصب وزير الدفاع لشخص مدني، حيث إنه منصب سياسي في الأساس. أما الفنيات العسكرية، فتكون في يد رئيس الأركان وقادة الأفرع والعسكريين، وذلك بالطبع يتطلب وقتاً لضبط العلاقة، ويعتمد على الظرف ومدى قوة كل طرفٍ من الأطراف وامتلاكه الأدوات، وكذلك يعتمد على وزن المفاوضين ومهارتهم، فللعسكريين في دول العالم الثالث ميلٌ إلى الانقلاب على المدنيين، وعدم احترام السلطة السياسية، وخصوصاً المنتخبة، نظراً إلى دور جيوش العالم الثالث في مساعي الاستقلال قديماً، أو الدفاع عن الأرض، فتكون هناك رغبة للاستئثار بالسلطة والامتيازات في مقابل تلك التضحيات، وقوة السلاح عموماً يكون لها إغراء كبير.

أما في التغيير الإصلاحي طويل المدى، فهناك دور مهم جداً للمعارضة الإصلاحية، ودور للأصوات الإصلاحية في النخبة الحاكمة. ففي دول أميركا الجنوبية التي استطاعت الانتقال، بنسبة كبيرة، إلى أنظمة ديمقراطية، كان للمعارضة الإصلاحية المنظمة دور كبير في ذلك. ففي تلك الدول، كانت أنظمة الحكم عسكرية قمعية، ومرّت عقود عديدة في قمع كل الاحتجاجات وكل مطالبات الإصلاح، وكان مستوى القمع في تلك الدول يصل إلى حد اعتقال مئات الآلاف وتعذيبهم، وإعدام عدة آلاف من المعارضين، بجانب الاغتيالات السياسية.

في التغيير الإصلاحي طويل المدى، هناك دور مهم جداً للمعارضة الإصلاحية، ودور للأصوات الإصلاحية في النخبة الحاكمة

وللأزمات الاقتصادية الدور الأكبر في تحريك الأحداث، وهي العامل المشترك في معظم الثورات. ومع مرور الوقت، وزيادة الأزمات السياسية والاقتصادية، وتكرار الانقلابات العسكرية ضد الانقلابات العسكرية، ومع تصاعد الاحتجاجات، على الرغم من القمع، يصل الوقت إلى نقطة ما قبل الانفجار، فتبدأ النخبة الحاكمة في التراجع لإنقاذ الموقف، ويبدأ بعضهم بعرض التخلي عن السلطة طواعيةً للنجاة من السجن والإعدام، أو للحفاظ على الثروات والامتيازات التي حصلوا عليها. وبالطبع، يكون للإصلاحيين داخل النظام دور كبير في تلك اللحظات، فتكلفة البقاء في السلطة عالية جداً، ويكون التخلي عنها هو الحل الأكثر عقلانية لإنقاذ ما بقي.

حدثت نتائج مماثلة في تجارب عديدة في العالم، بولندا وجنوب إفريقيا مثالان، وهناك تجارب أخرى نكتشف فيها الجديد عند كل قراءة مثل ما حدث في كوريا الجنوبية والفيليبين، حيث يكون التفاوض والوصول إلى حل انتقالي أفضل من انفجار الموقف لدى النخبة الحاكمة، وأيضاً المعارضة. وهناك تجارب العدالة الانتقالية المختلفة. ويتطلب هذا كله وجود معارضة قوية ومنظمة وموحدة الرؤية، على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي. وبالطبع، هناك أصوات راديكالية في المعارضة، ترفض أي تفريط أو تفاوض أو تنازل أو عدالة انتقالية، كما بالضبط يكون هناك صقور داخل المنظومة الحاكمة يرفضون مجرّد التفكير في التفاوض أو الحوار، ولكن هناك نسبة أكبر للتجارب الناجحة التي أدت إلى نتائج أفضل واستمرت طويلاً، وكانت هي التجارب التي انتصر فيها رأي الإصلاحيين، وأيضاً تجارب كثيرة ساد فيها الخطاب الراديكالي، أو الشعبوي الساخن، لم تكن النتائج فيها مرضية، وكان فيها كثير من العنف والانقسامات والانقلابات.

تتحوّل الثورات إلى مجرّد استبدال أشخاص بآخرين، خصوصاً عندما لا يكون هناك رؤية مسبقة، ولا قدرة على تطبيقها من طريق الضغط أو التفاوض

ولذلك يقول بعضهم إن الثورات الشعبية والطرق الساخنة للتغيير تكون معرّضة للفشل والانقلاب عليها بنسبة كبيرة، إن لم يكن في المجتمع نخب مثقفة ذات تأثير كبير تقود تلك التحرّكات بعد ذلك. ويضيع المجهود هباءً، وتتلاشى التضحيات، إن لم يكن هناك قوى سياسية منظمة لديها شيء من التوافق عابر للخلافات الأيديولوجية والسياسية، فقد يتحوّل المجهود للتناحر الداخلي بين قوى الثورة بعد ذلك، أو تتحوّل الثورات إلى مجرّد استبدال أشخاص بآخرين، خصوصاً عندما لا يكون هناك رؤية مسبقة، ولا قدرة على تطبيقها من طريق الضغط أو التفاوض. وهناك أيضاً تجارب عديدة نجحت فيها قوى انتهازية، أو أعادت إنتاج السلطوية من طريق استغلال المشاعر العاطفية/ الثورية/ الراديكالية البريئة.

هناك نماذج كثيرة للثورات التي أُفشِلَت، على الرغم من عظمة بداياتها. هناك مثال ثورتي رومانيا وصربيا اللتين عادت الأنظمة الحاكمة فيهما، بسبب أخطاء كثيرة، وأيضاً أوكرانيا التي لا تزال في مرحلة الثورة والثورة المضادة منذ أكثر من 17 عاماً، وهناك المثال الأكبر الذي نعيشه في واقعنا وتفاصيل حياتنا، ثوراتنا العربية المغدورة.

هناك قراءات وتحليلات عديدة عن أسباب الإخفاق، وهناك أيضاً اتهامات كثيرة متبادلة من جميع الأطراف وضدها. تتعدد الأسباب والعوامل والتحليلات، ولكن من المؤكد أن النخبة المعارضة والكوادر المثقفة التي كانت موجودة قبل الثورة لم تكن جاهزةً بعد لمثل ذلك الحدث، ولم يكن هناك مشروع متفق عليه، ولا تصور شامل يمثل الحد الأدنى من المشترك، ولا بعض التوافق حول القضايا الخلافية والحساسة. وحتى الآن لا يوجد، كما قبل الثورة، من يمكن إطلاق إصلاحيين معتدلين عليهم داخل النخب الحاكمة.