قتل خاشقجي: الاعتراف السعودي يقود للمرحلة القانونية

قتل خاشقجي: 3 نقاط تدحض الرواية السعودية والاعتراف يقود للمرحلة القانونية

21 أكتوبر 2018
الصورة
الأدلة التركية أرغمت السعودية على الاعتراف بالجريمة(أوزان كوزيه/فرانس برس)
+ الخط -
تقدّمت قضية الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي خطوة إلى الأمام فجر أمس السبت، بعد أن أقرت السعودية بمقتله داخل القنصلية، وصار في وسع تركيا أن تنتقل خلال الأيام القريبة المقبلة إلى المسار القانوني للمسألة، بعد أن تنتهي من عملية التحقيق الجنائي الذي ينتظر اكتمال التفتيش عن الجثة في غابة بلغراد الكائنة في ضواحي مدينة إسطنبول، وفي منطقة يلوا التي تبعد عن إسطنبول حولي 175 كيلومتراً. وقال مصدر تركي في مكتب المدعي العام لـ"العربي الجديد"، إن المسار القانوني سيأتي مكمّلاً للمسار الجنائي ويشمل خطوات عدة، إلا أنه يركز في صورة أساسية على الطلب من السعودية تسليم المتهمين بارتكاب جريمة القتل، وذلك من أجل استجوابهم في تركيا من قِبل النيابة العامة التركية. ورداً على سؤال، عما إذا كان ذلك يشمل الأشخاص الـ18 الذين تم توقيفهم، حسب ما جاء في بيان السلطات السعودية، أم هناك شخصيات أخرى، أوضح المصدر أنه من البديهي أن يتم استجواب الـ18 من قِبل القضاء التركي، بالإضافة إلى أشخاص آخرين تحددهم تركيا حسب القرائن والأدلة ومقتضيات التحقيق وإفادات الشهود الأتراك والسعوديين، وهل يشمل ذلك المستشار في الديوان الملكي السعودي سعود القحطاني، ونائب رئيس الاستخبارات العامة السعودية اللواء أحمد عسيري، أجاب المصدر "نعم سوف تطلب تركيا تسلّم هؤلاء من أجل استجوابهم، وربما ذهبت أبعد من ذلك".

ولفت المصدر إلى أن المسألة ليست سهلة، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن السعودية سوف تستجيب لهذا الطلب، مرجحاً أنها ستكتفي بما أسمته التحقيق الذي أجرته، وأعلنت نتائجه فجر السبت، وهي تعتقد أن روايتها للجريمة تكفي، وتقفل القضية عند هذا الحد، ولكن هذا الأمر غير مقبول في القانون الدولي، فالجريمة ليست عملية قتل عادية، بل طاولت شخصية إعلامية معروفة، ولقيت صدى سياسياً وإعلامياً كبيراً، وتقع حكماً في سياق الإرهاب العابر للحدود. وأضاف المصدر: "نحن إزاء جريمة إرهاب قامت بها الدولة السعودية على الأرض التركية لشخصية إعلامية تكتب في صحيفة أميركية مرموقة وتقيم في الولايات المتحدة". وأوضح أن أنقرة تأخذ كل هذا الأبعاد بعين الاعتبار، ولن تسير في نفس الخط السعودي من أجل لفلفة الجريمة، وتلبيسها لعدد من السعوديين، "ومن حقنا كقضاء تركي أن نحقق مع من نراه مفيداً للتحقيق من السعوديين، مهما كان موقعه".

وعلى الرغم من أن الاعتراف السعودي بوقوع الجريمة في القنصلية شكّل نقلة في مسار القضية، فإن الرواية السعودية أثارت شكوكاً واسعة حولها في تركيا، وهناك إجماع في الأوساط السياسية والإعلامية على أنها تفوح منها رائحة التستر على المسؤولين الضالعين في الجريمة، الذي يقعون في أعلى الهرم السعودي. وقال مصدر تركي يواكب تطورات التحقيق، لـ"العربي الجديد"، إن الرواية السعودية لا تنسجم أبداً مع الأدلة والقرائن الموجودة لدى السلطات التركية، والتي تم تسليمها إلى الجهات الدولية. وأضاف المصدر أن مسار القضية المعروف هو أن خاشقجي استُدرج إلى القنصلية، وتم قتله هناك، وهذا مُثبت بالتسجيلات، وبالتالي فهو يختلف عن الرواية السعودية التي سُربت الأسبوع الماضي والتي كانت تقول إن النيّة لم تكن قتل خاشقجي، بل استجوابه وخطفه بعد تخديره ولكنه توفي تحت الاستجواب بسبب خطأ، وها هي تصبح اليوم مشاجرة، بهدف إسقاط الجانب السياسي الجرمي عنها الذي يتحمّله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مباشرة.

ونقطة الضعف الثانية في الرواية السعودية، هي تحميل أحمد عسيري المسؤولية، وهو أمر ليس بالجديد، وكانت صحيفتا "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" قالتا يوم الخميس الماضي إن هناك اتجاهاً لاتهامه بالجريمة. وتساءل كاتب المقال في "واشنطن بوست" ديفيد إغناتيوس عمن سيكون كبش الفداء في هذه القضية. وقال إن ولي العهد السعودي، وفي الأيام التي تلت قتل خاشقجي، يعيش بقصره في الرياض حالة من الاحتقان الغامض والغضب الشديد، ويبحث عن شخص ما يُحمّله المسؤولية. ووفقاً لمصادر عدّة، كما قال الكاتب، فقد يكون اللواء أحمد عسيري، نائب رئيس المخابرات السعودية، كبش الفداء المحتمل. ونقل الكاتب عن مصدر مطّلع على تقارير المخابرات الغربية، أن عسيري اقترح مرات عدة على بن سلمان اتخاذ إجراءات بحق خاشقجي وآخرين، كما أنه، وحسب مسؤولين أميركيين، كان يخطط الشهر الماضي لإنشاء فريق خاص لتنفيذ عمليات سرية. وكانت "نيويورك تايمز" قد أفادت بأن الرياض ستحمي ولي العهد بإلقاء مسؤولية مقتل خاشقجي على مسؤول في المخابرات السعودية. ورجّحت الصحيفتان أنه سيتم السير بهذا الاتجاه بالاتفاق مع الإدارة الأميركية، وهنا يسود الاعتقاد في أوساط سياسية تركية أن البيان السعودي هو عبارة عن تخريجة أميركية لبن سلمان، وهذا ما يفسره الترحيب الأميركي الرسمي، سواء من البيت الأبيض أو الخارجية.


أما نقطة الضعف الثالثة في الرواية السعودية، فهي تكمن في رفض الجانب السعودي حتى يوم أمس، التعاون مع التفتيش للعثور على الجثة. وعلى الرغم من صدور البيان الذي اعترف بالقتل، فإن هناك رواية سعودية جديدة من أجل مزيد من التمويه، تقول إن السائق المكلف بإخفاء الجثة سلّمها إلى متعاون محلي، ولا تعلم السعودية شيئاً عن المكان الذي استقرت فيه. ورأى مصدر أمني تركي، أن تهرّب الرياض من التعاون في قضية العثور الجثة يعني أن هناك ما تخفيه، وخصوصاً عملية تقطيع أوصال الضحية التي تعطي صورة عن الوحشية والتصميم المسبق لارتكاب الجريمة.

وجهة النظر العامة التركية أن هذه كذبة جديدة ولا جديد فيها بالنسبة للوسطين الرسمي والشعبي التركيين. وصدر تصريح واضح في هذا الشأن من نائبة رئيس حزب "العدالة والتنمية" الحاكم قالت فيه إن اعتراف السعودية جاء بعد حصول تركيا على الأدلة، وبالتالي جاء متأخراً وكانت ستكون له قيمة أكبر لو أنه صدر قبل ذلك، وبالتالي ليس له أي قيمة اليوم. وعلّق مصدر إعلامي في حزب "العدالة والتنمية" لـ"العربي الجديد" على البيان السعودي بقوله "لدينا قناعة بأنه ليس هناك شيء صحيح مما قاله البيان السعودي". ولدى سؤاله عن الاتصال الهاتفي بين الرئيس رجب طيب أردوغان والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز قبل ساعات من البيان السعودي، وهل يحتمل تفسيرات معينة، قال المصدر إن "الرئيس أردوغان تعامل مع هذه القضية بشكل حساس ونقدي منذ البداية، وسبق له أن تواصل مع الملك السعودي الأسبوع الماضي"، مضيفاً "لا يمكن للحكومة التركية أن تتراجع عن المسار الحالي، ولا أن تقبل بتحويل أرضنا إلى مسرح للجرائم، ولذلك فإن تركيا ستستمر بتحمّل مسؤولياتها، وأستطيع التأكيد أن أردوغان أعاد التأكيد على ذلك في الاتصال الذي تلقاه من الملك السعودي".

الاعتراف السعودي بالجريمة عنصر مهم في التحقيق، وفق مصدر أمني تركي لـ"العربي الجديد"، ولكن الرواية السعودية لا تخدم التحقيق لأنها ليست صحيحة، وهدفها حماية بن سلمان، مضيفاً "ستظهر في الأيام المقبلة أدلة جديدة تنسفها من جذورها".
وترى الأوساط التركية أن تطور الموقف السعودي من الإنكار إلى الاعتراف له أسبابه، أولها أن الأدلة التي قدّمتها تركيا عن الجريمة لم تترك أمام الرياض أي سبب للاستمرار في حالة الإنكار، ولذلك اضطرت إلى الاعتراف بالجريمة، ولكنها تحاول التخلّص من تبعاتها. والسبب الثاني هو الضغط السياسي والإعلامي الذي تعرضت له السعودية خلال 18 يوماً لا سابق له في قضية أخرى. وقالت الأوساط التركية إن الإدارة الأميركية تتحمّل قسطاً أساسياً في الإخراج السعودي، وهدفها من وراء ذلك حماية ولي العهد السعودي من التبعات القانونية والسياسية والجريمة التي باتت تهدد مستقبله في الحكم.

المساهمون