قتل المتظاهرين يزيد غضب العراقيين: لا حاضنة سياسية للمحتجين

بغداد
محمد الباسم
03 أكتوبر 2019
+ الخط -
عاشت العاصمة العراقية بغداد ومدنٌ عراقية أخرى، أمس الأربعاء، حالة من الاستنفار مع اتساع رقعة التظاهرات الشعبية المنددة بالفساد والمطالبة بتوفير أبسط مقومات العيش، في يومها الثاني، لا سيما بعدما أدى قتل المتظاهرين إلى تزايد الغضب في أوساط العراقيين.

وفيما تمسكت الحكومة العراقية بإدارة الاحتجاجات كسابقاتها، والتنديد بمن وصفتهم بـ"المندسين"، رصدت بعض الخلاصات من اليوم الثاني للحراك الشعبي المتجدد في العراق، أبرزها العفوية التي اتسم بها حتى اللحظة، وعدم ارتباطه بأي قوة سياسية، والطغيان الشبابي عليه، وخروجه عن بعض "التابوهات" السابقة مع تنديده بصمت المرجعيات الدينية عن معاناة العراقيين. وحصل ذلك، في مواجهة حالة قمع غير مسبوقة من قوات الأمن، أسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى على الأقل، وإصابة حوالى 200 منذ أول من أمس، الثلاثاء. كما سقط أمس الأربعاء المزيد من القتلى والجرحى. ويضاف إلى ذلك ظهور حالات اعتقال جماعية، وإعلان حظر موقعي "فيسبوك" و"تويتر" في عدد من مناطق بغداد وجنوب البلاد. كما رصد تمسك حكومة عادل عبد المهدي، التي تواجه أول اختبار شعبي من هذا النوع، بخطاب السلطة "النمطي"، فيما حاول عدد من القوى السياسية النأي بنفسه، والوقوف إلى جانب المتظاهرين، داعياً إلى وقف استخدام العنف ضدهم.

وبعد بيان صدر عن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، أول من أمس، تحدث فيه عن "التمييز بوضوح بين ضحايانا سواء من المتظاهرين السلميين أو قواتنا الأمنية البطلة التي تحميهم، وبين المعتدين غير السلميين الذين رفعوا شعارات يعاقب عليها القانون تهدد النظام العام والسلم الأهلي"، عقد عبد المهدي، أمس، جلسة طارئة لمجلس الأمن الوطني.

من جهته، دعا الرئيس العراقي برهم صالح، أمس الأربعاء، قوات الأمن إلى ضبط النفس. كذلك أبدت لجنة حقوق الإنسان النيابية اعتراضها على "رد الفعل الخاطئ وأسلوب قمع التظاهرات السلمية"، مؤكدة "ضرورة تحمل الجميع مسؤوليته". بدورها، أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس - بلاسخارت عن "قلق بالغ"، داعية السلطات إلى "ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات".  كما أكدت السفارة الأميركية في بغداد أنها تراقب التطورات. وبينما أكدت أن التظاهر السلمي هو حق أساسي، شددت على أنه لا مجال للعنف في التظاهرات من قبل أي من الأطراف، داعيةً إلى نبذ العنف وضبط النفس. من جهته، دعا رئيس البرلمان محمد الحلبوسي إلى التحقيق في الموضوع، على غرار  زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر.

ولم تتراجع أعداد المشاركين في التظاهرات في العاصمة بغداد، منذ أكثر 48 ساعة، بل اتسعت رقعتها، أمس الأربعاء، لتشمل أحياء أخرى غير ساحة التحرير، مثل ساحتي الفردوس والطيران، كما امتدت إلى مناطق في مدينة الصدر والزعفرانية والشعب وشارع فلسطين والحسينية، وصولاً إلى أحياء ما تُعرف ببغداد القديمة، مثل الفضوة والكفاح والصابونية وباب المعظم، وهذه المناطق خرج سكانها عقب تشييع أحد القتلى الذين سقطوا بنيران قوات حماية المنطقة الخضراء، الذي استخدموا درجات قمع غير مسبوقة، بحسب "المرصد العراقي لحقوق الإنسان". وأكد عضو مفوضية حقوق الإنسان العراقية، فاضل الغراوي، "ممارسة القوات العراقية العنف الشديد تجاه المتظاهرين".

وحتى مساء أمس، الأربعاء، لم يبد أن التظاهرات في العراق خرجت مدعومة من أي جهة سياسية، ويشكل الشباب ما دون الـ25 من العمر غالبيتها، مع مشاركة خجولة للنساء سرعان  ما تلاشت مع تصاعد حدة القمع تجاه المتظاهرين. كما أن التظاهرات لم تُفرز حتى الآن أي وجوه احتجاجية واضحة وصريحة متفق عليها لتكون بمثابة المتحدثة الإعلامية باسمها على غرار ما حدث خلال تظاهرات الأعوام السابقة. ويرجح أن هذا الحراك "ولد من الخاصرة"، خصوصاً بعد قمع احتجاج شارك فيه خريجو "الشهادات العليا" من حملة الماجستير والدكتوراه  للمطالبة بتوظيفهم في المؤسسات الرسمية الأسبوع الماضي، باستخدام المياه الحارة، ما أدى إلى استياء شعبي كبير، أعقبه قرار رئيس الحكومة عادل عبد المهدي بعزل الجنرال عبد الوهاب الساعدي من منصبه في جهاز مكافحة الإرهاب (عسكري) وإحالته إلى وزارة الدفاع. وأدى قرار عزل الساعدي، بدوره، لاستياء كبير، خصوصاً أن الأخير يحظى بشعبية واسعة، حصل عليها خلال الحرب على تنظيم "داعش" في الموصل وبعدها، ثم جاء قرار إزالة عشوائيات من العاصمة وجد المئات من ساكنيها أنفسهم بعدها في الشارع، كما تمّت إزالة بسطات ومحلات اعتبرت مخالفة.

وكانت التظاهرات في بغداد قد انطلقت صباح أول من أمس، الثلاثاء، بأعداد قليلة في ساحة التحرير، لترتفع لاحقاً المشاركة فيها مع تناقل ناشطين صوراً ومقاطع فيديو، إلى أن بلغت بضعة آلاف بعد الخامسة من مساء اليوم نفسه في عموم المناطق، بحسب متظاهرين تحدثوا لـ"العربي الجديد". ولم تحدث أي اشتباكات في الساعات الأولى للتظاهرات، إلا أن اندفاع عشرات المحتجين لاختراق السور البشري الأمني قبالة ساحة التحرير لحماية المنطقة الخضراء (الحكومية) التي تقع في الضفة الثانية من نهر دجلة والقريبة من ساحات الاحتجاج، أدى إلى احتكاك بين الطرفين، وإلى سقوط قتيلين، بحسب وزارة الصحة العراقية، وجرح قرابة 200 محتج. واستخدم عناصر الأمن الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين، لتبدأ بعدها عملية الكر والفر في أزقة وشوارع العاصمة.

يذكر أن بداية التظاهرات كانت في كربلاء والنجف والديوانية والبصرة وميسان والناصرية، إذ خرج مئات المحتجين، وأغلقوا عدداً من الشوارع عبر حرق إطارات السيارات، إلا أن قوات مكافحة الشغب وقوات "سوات"، طاردت المحتجين واعتقلت عدداً منهم، ثم أفرجت عن بعضهم لاحقاً، فيما بقي آخرون قيد التحقيق ولحين الحصول منهم على تعهداتٍ بعدم المشاركة بتظاهرات جديدة.

أما في ما خصّ مطالب المتظاهرين وهتافاتهم، فهي لم تختلف عن المطالب التي رفعها العراقيون في احتجاجاتهم التي خرجوا بها إلى الشارع خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها توفير الخدمات الأساسية، ومنها المياه الصالحة للشرب، وإيجاد فرص عمل، إضافةً إلى محاسبة المسؤولين المتورطين بالفساد والاختلاس والسيطرة على موارد الدولة. ولوحظ خلال التظاهرات الحالية تجاوز ما اعتبر خطوطاً حمراء في العراق ما بعد 2003، حيث تضمنت الشعارات انتقادات لصمت المراجع الدينية عن الفساد وتصاعد معدلات الفقر والبطالة وسطوة الأحزاب الدينية واعتماد جميع الحكومات المتعاقبة على سياسة "تدوير الوجوه".

من جهتها، بقيت ردود فعل الحكومة والقوى السياسية المشاركة في السلطة على التظاهرات دون المستوى، على الرغم من القمع الشديد الذي تعرض له المتظاهرون. وقال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، أول من أمس، في بيان وصف بالخجول، إنه "في الوقت الذي يحزننا ويدمي قلوبنا وقوع إصابات بين أبنائنا المتظاهرين والقوات الأمنية وتدمير ممتلكات عامة وخاصة ونهبها، كالذي حصل اليوم (الثلاثاء)، فقد بدأت بإجراء تحقيق مهني بالحادثة". وزاد هذا التعليق من حدة الغضب الشعبي، ما أدى إلى ارتفاع أعداد المتظاهرين، لا سيما أن البيان أهمل القتلى الذين سقطوا على يد القوات الأمنية.

وأكد ناشطون ومتظاهرون في بغداد لـ"العربي الجديد"، أنهم تعرضوا للضرب والإهانة والاختناق والملاحقة في أزقة منطقتي البتاويين والسعدون هرباً من قوات مكافحة الشغب "التي استخدمت أقسى درجات العنف، فيما سقط ضحايا وقتلى أكثر من العدد الذي أعلنت عنه وزارة الصحة". ولفتوا إلى "وقوع مجزرة على جسر الجمهورية، حين تقدمنا من أجل محاولة الوصول واقتحام المنطقة الخضراء، فتحت القوات النار علينا وسقط عدد من المحتجين وربما قتلوا، وقد هرب من استطاع الهرب وبقي عدد من الجثث على الجسر". وأكد هؤلاء استمرارهم بتظاهراتهم السلمية "لحين تحقيق المطالب التي ترتبط بالحقوق ولا علاقة لها بالطموحات بعيدة المدى، ولم نطلب غير محاسبة الفاسدين من المسؤولين وتحسين الواقع المعيشي والاقتصادي وتوفير فرص العمل".

من جهته، قال المتظاهر من مدينة ميسان، جنوبي العراقي، عبد الله الغزي، إن ليل الثلاثاء – الأربعاء "كان الأقسى على المتظاهرين، فقد تم احتجاز عدد كبير منهم في سوق شعبية بمركز المدينة، وجرى تعذيبهم بالكهرباء والضرب بالهراوات، وتفريقهم عبر إطلاق الرصاص الحي أفقياً وباتجاههم، ما أدى إلى سقوط عشرات الإصابات". وأضاف الغزي في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "شخصيات سياسية من المحافظة اتهمتنا بأننا أبناء لبعثيين سابقين كانوا مقربين من صدام حسين، في محاولة لتأجيج الأهالي ضدنا وتبرير قمع الأمن، لكننا نرفض الافتراء، فنحن من ميسان وكل ما نريده يتمحور حول الحياة الكريمة التي تليق بالإنسان العراقي، كما أننا نؤكد عدم انتمائنا لأي حزب ونرفض مشاركتها جميعها في التظاهرة".

وتعليقاً على التظاهرات، قال عضو بائتلاف الوطنية لـ"العربي الجديد"، إن "موجتها في تصاعد مستمر، خصوصاً بعد سقوط قتلى وجرحى، فتظاهرات الأربعاء تختلف عن تظاهرات الثلاثاء (أول من أمس)، والحكومة تعلم ذلك وتخشاه، خصوصاً مع تمدد رقعة الاحتجاجات التي قد تصل إلى قلب كركوك، وليس مستبعداً إلى الموصل، لا سيما أنها مدينة مقهورة تعبت من تسلط المليشيات"، معتبراً أن "كل الإشارات تؤكد عفوية التظاهرات".

بدوره، أكد عضو ائتلاف "دولة القانون" سعد المطلبي، أن "التظاهرات غير مدعومة من أي جهة داخلية، لكن بعض المفلسين سياسياً يحاولون ركوب الموجة"، وأن أساسها "انطلق من المظالم التي يعاني منها شباب العراق الذين يتظاهرون من دون تنسيقيات عرفناها في السابق مثل الحزب الشيوعي والتيار المدني المتحالف مع التيار الصدري". وأضاف في تصريحه لـ"العربي الجديد"، أنه "بحسب ما وصلنا، فإن المتظاهرين يرغبون بنظام رئاسي بعدما أثبت النظام البرلماني فشله".

وبشأن حملة القمع التي تعرض لها المتظاهرون، قال المطلبي إنه تمّ رصد "حالات اعتداء على رجال الأمن من خلال قذفهم بقنابل المولوتوف، لكن هذا لا يبرر العنف الذي تعرض له المحتجون"، متهماً "أطرافاً إقليمية بدعم التظاهرات ودفع البلاد للأزمات، بسبب عدم رضاها على تحركات رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، لا سيما بشأن قربه من إيران والصفقة التجارية والاقتصادية التي عقدها مع الصين".

وأخيراً، رأت القيادية في "تجمع القوى المدنية الوطنية"، النائبة السابقة شروق العبايجي، أن "التظاهرات هي نتيجة طبيعية لفشل النظام السياسي العراقي بتحقيق أبسط مطالب الشعب، وهو أمر جرى التحذير منه في وقت سابق"، مؤكدة في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "المتظاهرين هم الفقراء من أبناء الشعب الذين خرجوا غير مدعومين من أي جهة سياسية".

 

 

 

ذات صلة

الصورة
سياسة/احتجاجات العراق/(أسعد نيازي/فرانس برس)

سياسة

شنّ أتباع التيار الصدري، فجر اليوم الأحد، هجوماً جديداً على ساحة الحبوبي في مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار جنوبيّ العراق، إذ اقتحموا الساحة بعجلات دفع رباعي وأطلقوا النار باتجاه المتظاهرين، فيما وعد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بفرض سلطة القانون.
الصورة

سياسة

بعد عمليات كر وفر، نجح المئات من الشبان العراقيين في الوصول إلى ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية جنوبي العراق، وكسر حظر التجول الذي فرضته قوات الأمن ليلة أمس على المدينة، مع استمرار حالة التوتر العام.
الصورة
مظاهرة ضد العنف (العربي الجديد)

مجتمع

شهدت العاصمة العراقية بغداد، مساء أمس الأربعاء، تظاهرة نسوية هي الأولى من نوعها، بمناسبة اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة، شاركت فيها أعداد كبيرة من النساء الناشطات، فضلاً عن ناشطين وأعضاء منظمات مجتمع مدني.
الصورة

سياسة

شهد العراق تنديداً واسعاً بعودة عمليات قتل المتظاهرين برصاص قوات الأمن على خلفية قتل متظاهر أمس الجمعة، خلال قيام قوات عراقية بإطلاق النار لفض تظاهرة في ساحة البحرية بمحافظة البصرة جنوب البلاد.

المساهمون