قبل الخروج من منظمة التحرير

20 ديسمبر 2015
الصورة
فوتوغرافيا رولا حلواني / القدس
في إطار مواجهة المشروع الصهيوني، شيّد الفلسطينيون مؤسساتهم الوطنية كمواقع ارتكاز لتمكين مشروعهم التحرري من الاستئناف. كان أبرزها منظمة التحرير الفلسطينية حيث بدايات البحث عن الهوية الفلسطينية المطموسة والملحقة، متوسلين الكفاح المسلح كسبيل لتأكيد هويتهم الوطنية.

منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي انطلق الحديث عن "أزمة منظمة التحرير"، غير أنها بدأت تطل برأسها منذ أواسط السبعينيات، كما تجسدت في قرارات المجلس الوطني في دورته الحادية عشر. وتعمقت لاحقاً حيث التنازل عن الرواية التاريخية للصراع كما تمثَّلها الميثاق الوطني 1968، حين أقدمت النخبة المسيطرة على المنظمة على تغييره من أجل مكتسبات تبينت أنها وهمية لم تتحصل عليها حيث ارتطمت بالواقع الصلب. تصاعدت الأزمة مع صعود حركتي حماس والجهاد الإسلامي مُتّكِئتين على رؤية نقيضة، وتعمقت الأزمة بعد فشل نموذج حل الدولتين مع وصول المفاوضات إلى طريق مسدود.

ومع ذلك، فإن كل دعوات إصلاح المنظمة ما تزال تراوح مكانها. وفي هذا السياق، وضعت الانتفاضة الحالية منظمة التحرير أمام حالة انكشاف فاضحة. ولا غرو أن الحالة الراهنة ستشكل مرحلة مفصلية في صيرورة المنظمة، إذ إن أهم درس أفصح عنه الفعل الانتفاضي الراهن كتحدٍ فاضح للمنظمة أنه فرض ضرورة التمييز بين الحركة الوطنية ممثلةً بمنظمة التحرير وبين "الناس العاديين" الذين أخذوا على عاتقهم مقاومة الاحتلال، ما يكشف عن أهم سمة لحركة التحرر الفلسطينية وهي افتقادها لأطر تمثيلية جامعة، مما يعري عجز المنظمة وقيادتها في إطار هيمنة نخبة مبقرطة ما تزال تؤكد على أهمية التطور السياسي الدولاني.

لقد وقعت المنظمة في مصيدة بيروقراطية، كما قال الباحث يزيد صايغ، كان لها الأثر البالغ لاحقاً في صعود نمط تفكير سياسي يفصل المسائل المعقدة عن عمقها، يتداول تعقيدات الواقع الفلسطيني برؤية متحررة من التصورات الكبرى، ومن دون التزام أخلاقي يفتقر للمعرفة بالكليات وأسس الصراع، وهيمنة نخبة تريد حكم المجتمع بالتعالي والانفصال عنه، الأمر الذي يطرح سؤال فاعلية الحركة الوطنية الفلسطينية.


تحولات التفكير المرحلي
جرت في أواسط السبعينيات من القرن الماضي تحولات عميقة في الثقافة الوطنية الفلسطينية مأخوذة بالتفكير المرحلي والبراغماتية السياسية والأهداف الواقعية، فتقلص التحرير إلى هدف إقامة سلطة على أي جزء من الأرض يتم تحريره، ولاحقاً تحول هذا الجزء إلى هدف نهائي، بتحويل "إسرائيل" من حالة استعمارية إلى جار وشريك في الأرض والسلام في نهاية المطاف، وهو ما أدى إلى إخراج المقاومة من فعالية مرتبطة بطبيعة السلطة التي تواجهها ومنبثقة من داخل قوانين الصراع ومشتقة من حقله، إلى مقاومة مشروطة بمقررات الشرعية الدولية مشتقة من خارج قوانين الصراع ومفروضة عليه، وبالتالي التفكر من داخل نموذج الاستقرار والتسوية كبديل عن نموذج الصراع. وتحولت الحركة الوطنية إلى حركة مساومة مع عدو جذري لا يعرف المهادنة تمثل العنصرية سمة متأصلة بنيوياً.

لقد وقعت الحركة الوطنية في أحابيل السلطة الصهيونية الاستعمارية، منذ تخليها عن الميثاق الوطني الفلسطيني بعد تبنيها شعارات متوهمة أنها أكثر واقعية. حيث كشفت الممارسة أنها شعارات تعني ما تقبله "إسرائيل" بصرف النظر عن السؤال الفلسطيني الجوهري. لذلك ليس بمستغرب أن يكون نموذج حل الدولتين يحل المُشكل اليهودي على حساب المُشكل الفلسطيني.

وبصرف النظر عن النوايا، فإنه جعل من تصورات المنظمة وأدواتها أنظمة تأديبية تروم تأديب الفلسطيني وإدخاله في حقل ثقافي ومعنوي جديد لتطويعه من خلال مشاريع هندسة اجتماعية تنموية تهدف إلى جعل فعل المقاومة داخل أفق مسيطر عليه، ليصير السلام ــ الاستعمار الجديد مُنشئاً ذاتياً ليتحول المجتمع خائر القوة.

وبينما تعني البراغماتية أن النجاح العملي وحده معيار الحقيقة، فإن البراغماتية الفلسطينية لم تنجز أهدافها في مجابهة عدو يرفض التنازل حسب اتفاقيات التسوية المبرمة.

وعليه بات واضحاً أن البراغماتية الفلسطينية هي المثالية غير القابلة لتحقق في مقارعة عدو جوهره التوسع بغية "صهينة الحيّز الفلسطيني"، حسب توصيف إيلان بابه. إن التحدي الأبرز لهذا التفكير إذا دفعنا به حتى نتائجه الأخيرة فقد يجيء من فاعل يوظف "البراغماتية السياسية" في تحقيق مطالب يراها أكثر واقعية وأكثر انزلاقية:

ماذا لو بدا أن خيار التحرير المنقوص (دولة في حدود 1967) غير واقعي ومثالي، وأن الممكن بات "الدولة المؤقتة" أو دولة في قطاع غزة؟ فما الفرق بين دولة على 7% من فلسطين وأخرى على22%؟ لماذا المطالبة بأكثر من سقف المنظمة تعتبر رومانسية ومثالية بينما المطالبة بأقل خيانة وطنية بالرغم من أنها أكثر واقعية وبراغماتية من وجهة نظرها؟

هكذا تنقلب هذه الشعارات إلى ضدها بعجز خطاب المنظمة عن تقديم أجوبة على أسئلة مشتقة من داخل نظامه المعرفي الذي بدا غير متماسك ذاتياً ويسمح بالانزلاق الوطني. ما يؤكد أن مقاصده مخادعة لا تستقيم بنيويًا مع السياق الاستعماري الفلسطيني ما يستدعي التجاوز.

فالخطاب المأخوذ بالسياسة الواقعية إذ ينفصل عن معطيات الواقع ودروس التاريخ وحقائق الصراع هو الهزيمة لا البراغماتية. ما يجعل المنظمة تفتقر كونها تمثل قاعدة البت المعيارية في تحديد ما هو صالح فلسطينياً حيث تتعامل بمنطق البازار مع الكفاح الفلسطيني عندما تعمل على تحويله إلى رصيد لتحسين موقفها في عملية التفاوض حول التسوية تعيد إنتاج مأزقها.



مخاتلة المفاوضات
يظن بعض الدراسين أن مشكلة المنظمة أنها حشرت نفسها في بعد أحادي يتمثل في المفاوضات كاستراتيجية وحيدة، وأرى أن المشكلة تكمن في المفاوضات ذاتها. فعند تحرير المفردة يتجلى لنا أن المفاوضات بالمعنى الحديث تحدد معناها ووظيفتها مع تشكل النظام الدولي الجديد إثر وستفاليا 1648، حيث كان المقصد هو المحافظة على النظام الدولي الجديد بتأمين استقرار الدولة القومية الصاعدة بعد أن تحددت المعالم النهائية للجغرافيا الإقليمية، فتحل المفاوضات مشكلات العلاقات الدولة بدلاً من الحرب التي يهدد استقرار النظام الوستفالي.

يمثل التفاوض تقنية قانونية لحل الخلافات بين دول قومية ذات سيادة تعترف ببعضها البعض. لذا ليست المفاوضات مدركاً يحوز فعالية كونية؛ أي صالحة لحل الصراعات كافة. إذ تفشل في معالجة الصراعات الاجتماعية الممتدة، ولا تتداول أبداً الحقوق الجماعية والتاريخية. بل هي منظور قانوني تقني ينطلق من معالجة التناقضات التاريخية معالجة فنية إجرائية سياسية.

ومن هنا جاءت المفاوضات فلسطينياً كتقنية لحل الصراع بعدما اختزل المشروع الوطني إلى مجرد قيام كيان سياسي لجزء من الشعب على جزء من الأرض، وبإزاحة الصراع من صراع وجودي مع حركة صهيونية استعمارية استيطانية إلى صراع مع حركة قومية تسعى إلى تقرير المصير للشعب اليهودي. وعليه فإن المفاوضات مثلت أداة ساهمت في استدخال المؤسسة الرسمية نظام السيطرة الاستعمارية الإسرائيلية.


التحرر نقيض الدولة
نشدت الحركة الوطنية الرسمية الدولة، في الضفة وغزة، من دون أن تتساءل عن مدى قدرة هذه الدولة على استكمال مشروع التحرر الوطني واحتضان المشروع الثوري حسبما هي قرارات المجلس الوطني. فالدولة تعني الاستقرار والثبات، وتاريخياً فهي أداة محافظة وليست ثورية.

لذلك فإن تحقيق دولة في ظل المنظومة الاستعمارية يعني تحويلها إلى نسق عام للاستتباع وضبط السكان داخل المنظومة ذاتها من خلال توظفيها لتوجيه الشعب وتأطير السلوكيات الجماعية، وتأسيس الالتزامات السياسية والممارسات النضالية التي يراعى في تطبيقها الحرص على إدراج الكلام والتنظيمات والتصنيفات والفعل الفلسطيني في أجهزة الهيمنة الاستعمارية بما يزيدها إحكاماً بنمذجة الفلسطيني وخلق مواطن مطواع يصير موضع توجيه مضبوط ومراقبة تامة.

والتحكم في الخطابات التي ينتجها وسياسات الحقيقة التي يسعى إلى تكريسها في مؤسسات سياسية وقانونية وتعليمة متكيّفة مع الواقع الاستعماري. ففي حال قيام دولة فلسطينية كيف ستعرف نفسها وكيف ستعرف جارتها "إسرائيل"؟ مما يجعل هذه الدولة مشروع احتراب أهلي لا محالة.

فضلاً عن ذلك، إن الحل السياسي وفق نموذج حل الدولتين لا يمكن تنفيذه من دون تغيير الشكل السياسي لـ"إسرائيل" 1948، أي تقويض الشكل الاستعماري، يعني تغيير حقيقة "إسرائيل" نفسها، كما أثبت ذلك الباحثان الإسرائيليان أريئيلا أزولاي وعدي أفير. فالفصل بين حقائق 67 وحقائق 48 هي فكرة خاطئة من الأساس؛ لأن المرحلتين هما نتاج العملية ذاتها: الاستعمار الاستيطاني.

وعليه يعاني نموذج حل الدولتين من الواقعية ويفتقر إلى بُعد الأخلاق كونه منغمس في علاقات قوة غير متكافئة، وجدير بالملاحظة أن نموذج حل الدولة الواحدة كذلك يعاني من عدم الواقعية ومن تضخم أخلاقي، أو قل إن شئت فائض أخلاقي.



دروس الانتفاضة في انتظار تمثّلها
اشتعل الفعل الانتفاضي في الدوائر الفلسطينية كافةً، في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة 1948، والضفة، وغزة. والمعنى سقوط حواجز الاستعمار الصهيوني، وتحطم الحائط الحديدي، حيث العودة إلى أساسيات الصراع ونهوض الوعي الجمعي الفلسطيني. وهي مؤشرات دالة تفرض ضرورة إعادة تعريف الجماعة الوطنية الفلسطينية بوصفها جماعة موحدة تقارع استعماراً استيطانياً صهيونياً.

وبالتالي تصويب جدل الوعي الوطني بهدف الخروج من حالة الوعي المجزأ والمشروط استعمارياً إلى وعي ينطلق من خِطاطة ترى الجميع في مركب واحد في مواجهة الاحتلال. ما يشكل موقعاً متقدماً مشروطاً بالقدرة على تمثيله تنظيمياً. ولطالما اتهم الفلسطيني بالعمل ضمن الحيّز الذي قررته له سلطة الاحتلال.

بينما تقلب دروس الانتفاضة المعادلة وتجدد الوعي والأمل بإمكانية اجتراح فعل من خارج حدود الحيز الاستعماري. فبقدر ما كانت السلطة الاستعمارية تسعى إلى القبض على الحياة اليومية للمستعمَرين بقدر ما يحكي واقعهم قصة.


صعود أطر اجتماعية للمعرفة التحررية
مقابل انزلاقات المنظمة، ثمة صعود ثقافي يتمثل في الأعمال الفنية، فضلاً عن استمرار أشكال المقاومة المتعددة، والأهم انبجاس نموذج إدراكي وحركي فلسطيني يبدأ يشق طريقه بالقطيعة مع تصورات الحركة الوطنية الرسمية.

إن الحقل الفلسطيني يمر بقفزة نوعية "تحولات براغماتية". إذ لم تعد المنظمة قادرة على رسم أطر الحركة الوطنية وحدودها، وفقد خطابها الصلاحية التفسيرية لتحولات حقل الصراع، ما يبرر عملياً انفكاك الفعل الفلسطيني من مفاهيم هيمنت لعقود من الزمن كانت السبب في انحراف الحركة الوطنية عن مسارها التحرري.

وبصرف النظر عن سوء تقدير القيادة الحاكمة وتنازلها عن بعض الحقوق مقابل بعض المكتسبات، فإن الأخطر أن هذا التحول جعل المنظمة بعد الانحراف والسلطة بعد التأسيس جزءًا من كلّ استعماري بعد انخراط المؤسسة السياسية الرسمية ونخبتها ضمن النسق الاستعماري بدلاً من المجاهدة للخروج منه.

وعليه، ما عاد هذا الوعي التقليدي الذي هيمن لعقود طويلة يشكل يوتوبيا تحررية تلم شمل الفلسطينيين نحو أفق رحب يضفي المعنى على الممارسة الكفاحية التي ما تزال مستمرة رغم كل محاولات حرفها عن جادة الصواب. ثمة مشاهدات تتناسل بوضوح كاشفة عن انبجاس نموذج جديد يتجلى عبر جملة تراكمات تحدث في الإطار المفاهيمي والعملي، ما يشير إلى عمليه انتقال من المجال القائم إلى غيره.

بدأت مؤسسات إنتاج المعرفة الفلسطينية تستعيد مكانتها بالعمل على استئناف سؤال التحرر المعرفي. لذا يمكن القول إن الحقل المعرفي الفلسطيني يمر بانعطافه معرفية تشكل قطيعة مع "أكاديمية أوسلو".

على سبيل المثال، يعكف مركز دراسات التنمية - بيرزيت على إنتاج بدائل تنموية متحررة من خطابات التنمية النيوليبرالية؛ بالإضافة إلى مركز دراسات المرأة ــ بيرزيت حيث يسعى لمعالجة العديد من القضايا الوطنية في إطار مرحلة تجمع بين التحرر الوطني والبناء الديمقراطي والمؤسساتي، وفحص مدى إمكان تحقيق تنمية في ظل وضع كولونيالي. فضلاً عن مركز بيسان للبحوث والإنماء حيث يعمل على إنتاج معرفة تنموية تصب في أوليات الفئات المهمشة.

وتشكل دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي النموذج الأكبر طموحاً في محاولة الوصول إلى معرفة خارج إطار المقاييس الغربية الاستعمارية بخلق مشروع تحرري من داخل المجتمع. لسان حالها يقول إن الوطنية تعني أمرين؛ الاشتباك مع العدو الصهيوني، ونقد مسار أوسلو بالخروج من مشروعها السياسي. ما يضع المنظمة داخل دائرة السؤال النقدي، إذ ليس أمامها سوى المكابدة بالهرب إلى موقع بديل خارج المنظومة الاستعمارية وتمثلها للتحولات الجارية.

ونحن لا نذهب أكثر مما يجب عن تحليل المنظمة وتعريتها من الداخل وتفكيك موقعها الراهن وأفق حركتها السياسية، فالمبتغى هو ترشيد العمل الوطني قبل فوات الأوان وليس ذلك تسويداً للصورة.


(باحث فلسطيني/ غزة)

دلالات

تعليق: