قبل الأربعين

29 فبراير 2020
الصورة
لا مشكلة مهما فعل (Getty)
+ الخط -
وجدته أمامي... لست قصير القامة، لكنّه هو نفسه عملاق فعلاً، وربما يصل طول قامته إلى ضعفي قامتي، فيما يتجاوز حجمه ضعفي حجمي. لم يقل كلمة، بينما كان يحمل مسدسه فوق رأسي، بل لعلّي كنت أشجعه على إطلاق النار واقتحام رأسي، فيما كنت أستيقظ على صوت الطلقة، وربما من دون صوتها، قبل أن تخترق جمجمتي.

متعرق جداً في عزّ البرد الشباطي. أعرف أنّني في صبيحة يوم ميلادي التاسع والثلاثين، وأنّه يوم مميز باثنيناته وأصفاره، وأدرك أكثر أنّني في الحلم، كنت أريد أن أنهي حياتي على يده، ذاك الذي يشبهني لكنّني لا أتجاوز نصف قامته وحجمه، بالرغم من أنّي طويل القامة وضخم الجثة.

كان مساء في الحلم، وكان مطر، وكان اللون الرمادي طاغياً حتى يكاد الأصفر الخارج من أحد مصابيح الشارع يختفي. وكنت في ساحة قريبة من منزلي، في المكان الذي ما زال يحمل أثر كارثة انهيار مبنى عتيق، ذهبت بامرأة شابة وطفلتها، فبقيتا صورة لا أكثر فوق ما بقي من المبنى المدمر، تذكّر بهما وتحذر من انهيارات قد تحدث، لكنّ أحداً لا يهتم، سواء من السلطات البلدية والوزارية، أو من السكان أنفسهم، حتى من يقطنون في المباني المهددة.

لم يقل كلمة، وكنت أدرك، وأنا تحت سلطانه، أشجعه على أداء ما يتوجب أداؤه كما كنت أهيّئ لنفسي في الحلم، أنّي كنت أرغب بشدة في الموت، لكنّني أعرف جيداً أنّني في حلم، وأعرف أنّي سأستيقظ في صبيحة يوم ميلادي التاسع والثلاثين، في صبيحة السنة الأخيرة من ثلاثينياتي. فبعد عام واحد، سأبدأ تلك "الأربعين اللعينة" التي كان من المفترض بي أن أخشاها وأجهز نفسي لها، فلم أفعل، كما لم أفعل شيئاً وأنا أستقبل الثلاثين.

لا أقول - كما أعتقد أنّه قول المنسلخين عن الواقع، أصحاب الأمل بالرغم من كلّ شيء- إنّ العمر مجرد رقم، بل أقول إنّني لن أجهز نفسي لشيء، بلامبالاة معهودة في حياة طارئة اعتدتها... لن أخشى الأربعين، كما لم أخشَ مسدسه والطلقة التي كادت تخترق جمجمتي وإن استيقظت قبل ذلك، لعلّة ما، ربما تكون استكمال المشهد في الواقع لا الحلم. وربما اخترقت طلقته جمجمتي، وقتلتني في واقع موازٍ لم أستيقظ فيه... واقع كنت أخشى فيه الأربعين وأندم فيه على أنّي لم أهيّئ شيئاً لها.




لا أقول إنّ العمر مجرد رقم، لكنّني لا أخشى الأربعين، ولا أخافه هو، فعلامَ أبحث عنه ليزرع تلك الرصاصة في جمجمتي؟ اكتفيت منه، ولن أبحث عنه، ولن أحتفل، ولن أخشى الأربعين، ولن أجهز أيّ شيء لها، فإذا صادفته لا مشكلة مهما فعل. وها أنا اليوم بالذات في صبيحة يوم ميلادي التاسع والثلاثين... وبعد عام كامل، ربما أكون هنا مجدداً لأكتب عن تلك الأربعين، منذ بدايتها، حتى إن كان ينتظرني في حلم أو في واقع.

دلالات

المساهمون