قباني والقصيبي.. وأزمة الشعر

14 ابريل 2016
الصورة

غازي القصيبي ونزار قباني

+ الخط -

 تجاوبت إدارة معرض "شعراء عبر العصور في حب الرسول ﷺ" المقام حالياً في حي كتارا الثقافي في الدوحة لملاحظات أُبديت حول قصيدةٍ في المعرض، منسوبة للشاعر نزار قباني، في حين أنها للشاعر يحيى توفيق، فصححت الخطأ، وأعادت الحق الشعري إلى أهله.

أما الخطأ فليس جديداً، ذلك أن القصيدة انتشرت على نطاق واسع بعد رحيل نزار قباني، ممهورة باسمه، ولا يكاد يعرف أنها ليحيى توفيق إلا قليلون جداً، لم يكن ليتوقف أمام تصحيحاتهم أحد من الجمهور المصر على أنها لنزار،  تماما كما يصرّ جمهور الشاعر غازي القصيبي، ولا أقول قراؤه، على أن قصيدة " مغالبة الآلام والليل" له، وتلك حكاية أخرى. 

بعد رحيل القصيبي بقليل، تداول كثيرون القصيدة بتوقيعه،على الرغم من أن عنوانها لا يشبه عناوين قصائده، ولا يتسق مع أسلوبه، ومن يتمعن قليلاً في ما بعد البيتين الأولين منها يكتشف أنها بعيدة كل البعد عن الطريق الشعري للقصيبي، ولا يمكن أن يكون هو شاعرها. ومع هذا، راجت القصيدة ولم يتوقف الجمهور عن تداولها بإعجابٍ وتأثرٍ بالغيْن، على الرغم من تشكك المتشككين ممن يعرفون القصيبي، ويعرفون شعره، ويعرفون اسم ابنته الذي ورد في القصيدة على غير الحقيقة.

ومع أن الحقيقة ظهرت بعد ذلك، ليتبين أن القصيبي لم يكتب من تلك القصيدة الطويلة سوى البيتين الأولين، وأن بقيتها منتحل، إلا أن كثيرين من جمهور الشاعر، وغيرهم، أصرّوا على أنها له، فقط ليتسق ذلك وما أرادوه للشاعر من ختام شعري يناسب رؤيتهم، كل على حدة، ووفقا لفكرته عن الشاعر، بالنظر إلى فكرة القصيدة المشحونة بمشاعر الندم والتوبة والعودة إلى الله، قبيل الرحيل الأبدي، وخصوصاً أن من نشرها بتوقيع القصيبي حرص على تصديرها بعبارة تقول إن الشاعر كتبها وهو على سرير المرض. 

والمفارقة، وهي كما يبدو مقصودة، أن القصيدتين تتشابهان في أنهما تشيران إلى نهايات العمر بالنسبة للشاعرين، وانسحابهما من بهجة الحياة وزحامها في خضم النجاح الجماهيري الكبير إلى بكاء التوبة، وعزلة النهاية أمام قبر الرسول الكريم ﷺ في حالة قباني، وعلى سرير المرض في حالة القصيبي.

هل يريد المتلقي أن يأخذ بيد شاعره المفضل إلى ما يظنه باب التوبة إعجاباً وحباً ورحمةً به كما يُظن؟ لكنه يفعل ذلك كله بالشعر نفسه الذي يُظن أنه ذنب الشاعر وخطأه في الدنيا! ثم إنه يفعله، وهو يدرك أن الله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور من نياتٍ، ومقاصد معلنة ومضمرة، في الشعر والنثر ما بين المعاني والمباني. لا ينسب هذا المتلقي القصيدة لشاعر غير شاعرها، إذن، إلا في حالة من التوحد مع ذات الشاعر، كما يتمناها ويشتهيها، فهو يتمنى لو أن الشاعر قد "تاب" عمّا يظن أنه الخطيئة الشعرية، ومنطلقاتها الحقيقية في الحياة اليومية. وبالتالي، يبقى هذا المتلقي، إن كان معجباً بالشاعر، مصراً على أن هذه القصيدة لهذا الشاعر، لأنه يريد أن تكون نهاية شاعره المفضل مما يليق بالمؤمنين في الفهم الشعبي التقليدي، حيث التوبة المبللة بالدموع سبيل النجاة، أما إن كان من غير المعجبين، فسوف يفيد دعاواه ضد الشاعر والشعر أن تكون مثل هذه القصائد لهم، توكيداً على رؤيتهم ضد الشعر، باعتباره بوابة لجهنم، وللشعراء باعتبار غالبيتهم من الذين يقولون ما لا يفعلون.   

ولأن هاتين الفئتين هما الأكثر عددا في جمهور الشعر عموماً، فقد انتشرت قصيدتا نزار قباني وغازي القصيبي، وستنتشر غيرهما مثلهما أيضاً، على الرغم من تصحيح المصححين. 

إنها أزمة حقيقية جديدة في رؤية كثيرين للشعر، وليس في فهم الشعر وأساليب الشعراء كما يبدو أول وهلة، ولا في النشر الإلكتروني ذي الطبيعة المتسرعة كما ذهب بعضهم، مع أن القصيدتين المشار إليهما، في هذه المقالة، نشرتا منسوبتين لغير شاعريهما الحقيقيين، في الصحافة التقليدية قبل انتشارهما إلكترونياً لاحقاً.