قانون قيصر .. نهاية وبداية

13 يونيو 2020
الصورة
+ الخط -
عادةً كل نهاية لأي شيء في العالم هي بداية جديدة لشيء آخر. الطبيعة بماديّتها وما ورائياتها ترفض الفراغ. قانون قيصر كذلك، حدٌّ فاصل بين نهاية وبداية. يُمكن تصنيفه بحدّ ذاته نهايةً لوضعية ما نشأت جرّاء تراكماتٍ سلبيةٍ متلاحقة، وعلى عجل، بطريقةٍ لا يُمكن إصلاحها أو تعديلها، وبداية لمرحلة جديدة لن تكون سهلة، لا على النظام السوري المعني مباشرة بالقانون ولا على حلفائه من لبنان غرباً إلى الصين شرقاً، وما بينهما من العراق وروسيا وإيران. كان يُمكن للقانون أن يشابه قراراتٍ صادرة عن الأمم المتحدة، أي لا تُطبّق بمعزلٍ عن رغبة طرفٍ قويٍّ في تطبيقها، ولو كرّرتها المنظومة الأممية آلاف المرّات. الشواهد كثيرة من الشرق الأوسط إلى كل الكوكب، غير أن هذا القانون ليس قراراً أممياً.
بدءاً من يوم الأربعاء المقبل، تاريخ سريان "قانون قيصر"، سيلمس كثيرون مفاعيله، وسيتأثر كثر به اقتصادياً واجتماعياً. وكل من لم ينزح أو يلجأ سيُصبح مشروع نازح أو لاجئ. هل تقتضي الحتمية ذلك؟ التاريخ لعينٌ في الشرق، دائماً يحضر العقل بعد وقوع الواقعة، على اعتبار أن حضوره قبلها يعني "تنازلاً"، وهو ما يلامس غضب "الإيغو" الشرقي عموماً. يدرك بعضهم أن الواقعية، غير المقترنة بالرفض والنكران، بل بمحاولة "إنقاذ ما تبقّى"، هي مفهوم ناقص في الشرق الأوسط. الجميع يحيا على وقع مبدأ "القوة" التي قد تكون فخاً في أحيانٍ كثيرة. لا قوة تأتي من فوق، بل تولد من أرحام التكتلات البشرية وتعاضدها، فإذا فرّقت هذه التكتلات تضعف القوة من فوق، مهما أوحيت بوجودها. لذلك، ستبدو المواجهات، في مرحلة ما، بعد وقوع الواقعة وكأنها ردود أفعال متلاحقة وعشوائية، غير قادرة على تلبية متطلبات المواجهة بحدّ ذاتها، خصوصاً إذا كان منطق "قانون قيصر" يتجاوز مفهوم الحروب العسكرية، سواء الحروب التقليدية بين الجيوش أو حرب العصابات أو العمليات الخاطفة، إلى مفهوم الحروب الاقتصادية.
المسألة لا تتعلق بتأييد القانون الأميركي أو رفضه. يفترض أن يكون امتياز هذا النقاش غير مطروح، خصوصاً أن الوقت ليس في صالح المعنيين بالقانون. بالتالي، يُمكن طرح سؤال وحيد: كيف ستتعامل الأطراف المعنية مع القانون وانعكاسه على الناس؟ العقوبات عادة لا تؤثر بالأنظمة بشكل محدّد، لكنها تضرب عمقها البشري، خصوصاً العصب المؤيد لها، سواء باختياره أو خشية منها. يكفي النظر إلى لبنان مثلاً، الذي بدا وكأنه مرتبك إزاء التعامل مع مفاعيل "قانون قيصر". لا قضية المعابر مع سورية حُلّت، ولا خطة موضوعة لحماية الناس من تداعيات القانون، فضلاً عن أن لبنان بالذات يعاني أزمةً اقتصادية غير مسبوقة، أدّت إلى ارتفاع نِسَب البطالة والفقر بشكل غير مألوف في تاريخ البلاد. حتى إن "فشّة الخلق" الأخيرة مساء الخميس ـ الجمعة لم تكن كافيةً لدفع السلطة إلى إجراء تعديلاتٍ جذرية على ملفها الاقتصادي. لا بل تكمن الخشية في ترك الأمور على غاربها.
أما في العراق، فيبدو أن الحوار أو المفاوضات بين العراقيين والأميركيين ستفتح باباً ما لحكومة مصطفى الكاظمي، لاستيلاد حالة توازنٍ مفقودة منذ الاجتياح الأميركي ـ البريطاني للعراق عام 2003. توازن قد يفضي إلى ترك الحرية للكاظمي للعمل ضمن مفهوم "العراق أولاً". صحيحٌ أنه عنوان مطاط، ويحمل معاني كثيرة، إلا أنه قد يرتبط بمطالب المتظاهرين العراقيين الذين باشروا انتفاضتهم منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. قد يكون هذا التوازن بالذات مطلوباً في لبنان، خصوصاً أن الوفد الأميركي في بغداد يضمّ ثنائياً يعرفه اللبنانيون جيداً، وهما ديفيد هيل وديفيد شينكر. إلا أن المعضلة تكمن في مدى قدرة السلطة في لبنان على تمهيد الأرضية اللازمة لإجراء مثل هذا التفاوض، تحت عنوان "لبنان أولاً". غير ذلك، فإن البداية الجديدة ستُفرض على اللبنانيين فرضاً.