قانون قيصر الكُردي تحت "الإدارة الذاتية"

12 يونيو 2020
الصورة
لا خير في حكومةٍ أو أجسامٍ سياسية لا تنظر إلى نفسها مُلزمة بتأمين قوت شعب جاد بآلاف من شبابه في معارك وحروب، لم يجنِ منها مكاسب سياسية حتى يومنا. ولا فائدة في أطرافٍ تتسيّد المشهد السياسي، ولا تستطيع التخفيف من عمق الوجع الوجودي المصاحب لذوات قاطني المنطقة الكُردية في سورية وحيواتهم، بمن فيهم النازحون، لكونهم ما خرجوا من بيوتهم طواعيةً. ذاك الألم يكمن في عقلية إدارة يُخال لها أن المواطن ندٌّ لها، وأن التعامل بــ"النكايات" خيرٌ من الالتفات إلى همومهم والاستماع وفق قاعدة لا قناعات مسبقة. يقول المسؤولون إنهم منحوا القمح بسعر زهيد، وعلى السكان ردّ الجميل، وكأن العلاقة بين تاجر ومشترٍ، يتعاملان بالرِبّا. القضية تتعلق بحجم التأثر الرسمي، حكومةً وأحزاباً كُردية، بما يحدث أمامهم، إذ لا يقلّ الموقف من أيّ حدثٍ أهميةً عن الحدثِ نفسه. وهو بطبيعة الحال يعود إلى بنية تلك الأطراف وتاريخانية اهتماماتها بقضايا الناس اليومية.
هذه البلاد المنكوبة التي انتهت مقومات الحياة فيها، لا وجود فيها لرجال سلطةٍ يحملون همَّ المواطن وحقوقه. فقط ثمةَ شعبٌ يتقيأ لسماع قوانينهم ووعودهم التي ما صدقناها منذ ثماني سنوات. لعل أكثر العوامل المساعدة لـ"الإدارة الذاتية" في محق تطلعات المكونات الموجودة، أنها لم تتلقَّ أيَّ ردّ أو معارضة على كُل ممارساتها ضد معارضيها، من موظفيها ومنتسبي مؤسساتها، ما أوجد لها هامشاً ضخماً للعمل والتلاعب بالعقول، والضغط على الأذهان، فأقدمت على تعميق الهُوَّة ما بين مُنتسبي وظائفها والشرائح الأخرى المعارضة لها، وحاصرت مؤيديها والعاملين في 
مختلف القطاعات الخاضعة لسيطرتها. بمعنىً أدق، أوجدت مجتمعاً خاصاً بها، ولم يتجرّأ أحدٌ من منتسبي مجتمعها على الحديث، حتّى سراً، ضد ممارساتها، فلم تجد حرجاً أو استحياءً من الاستطراد بكل الأصوات المناهضة لها. المرّة الوحيدة التي رفعت الشرائح الموظفة في الإدارة الذاتية صوتها عالياً لم ترتبط بالحريات ولا بالديمقراطيات، ولا بالحياة السياسية، ولا بالظروف المعيشية، ولا بقضية الاعتراف بالآخر، الاعتراف الذي راح الكُرد يقولون منذ عقود إن صراعهم الهوياتي مع النظام السوري إنما هو حوله عينه. الاعتراض تمحور حول سعر شراء محاصيلهم، حين استشعروا خطراً مباشراً يُداهمُ رغيف خبزهم، أدركوا ضرورة رفع الصوت عالياً. وهو الحق الأكثر رواجاً، أن يدافع المرءُ عن لقمة أبنائه ومستقبلهم، بيد أن الفصل كمِنَ في عزوفهم عن الوقوف في وجه ممارساتٍ قمعية، واقتصادٍ مزاجي كيفي، صنعت طغمةً فاسدةً، وحيتاناً من الاستغلال والفساد والنهب المنظم وسرقة قوت الفقراء.
ثمة سؤالان معمَّقان مرتبطان فيما بينها. الأول بشأن منع الإدارة الذاتية أصحاب المحاصيل الزراعية من بيعها للنظام السوري، إذ لا تنبني القضية على قاعدة معارضة النظام. ورغم قانون العقوبات الأميركية، فإن الحاكم الفعلي للاقتصاد المحلي هو النظام السوري، وبل حتّى مراكز تسلُّم المحاصيل الزراعية، من مبانٍ وصوامع و... إلخ، هي من بناء النظام. إذ لم تنجز الإدارة الذاتية مشروعاً اقتصادياً، تنموياً يُمكن أن يؤمن فرص عمل للمواطنين خارج سياقات الإقناع الحزبي ضمن هياكل الحكم المحلية. ولا إمكانية لتغيير قناعة المواطنين بشأن حصول النظام السوري على ما يلزمه من قمح وشعير، أسوةً بالأعوام الماضية، بل ثمة قناعة راسخة بأن الإدارة الذاتية ستبيع النظام أطناناً من القمح بسعر مرتفع! والسؤال الثاني مرتبط بإصرار "الإدارة الذاتية" على شراء القمح بالعملة السورية، مع ما يتوافر لديها من كتلة مالية بالعملة الصعبة، يُرجّح أن الفلاح لن يستفيد من ذلك، خصوصاً مع احتمال انخفاض سعر الدولار في فترة صرف فواتير توريد القمح. الغصّة التي لا تُفارق المواطنين أنهم يعيشون في كنفِ حكومةٍ هدفها الاستفادة منهم.
يبدو أن "شرق الفرات" يعيش قانونين لقيصر، أولهما سيتأثر من ارتباطه بالمركز في دمشق وسعر صرف الدولار وحجم العقوبات، وثانيهما فشل "الإدارة الذاتية" في إيجاد مخرج للمجاعة المقبلة. بيد أنها ستجد مخرجاً لتوصيف تظاهرات أهالي منبج، وإن كانت في بداياتها وصغيرة الحجم، لكن المتوقع ربطها بإيادٍ خارجية ورغبات إقليمية في الانقضاض على التجربة الفريدة! وثمة عُرفٌ ثابت في عدم إيجاد حلول للمشكلات، إن رغبت السلطات بتمييع القضايا وعدم حلها، لجأت إلى تشكيل اللجان. علماً أن القصة تحتاج فقط إلى إرادة سياسية ورغبة جادّة لصرف الأموال على المواطنين، عبر دعم الخبز بالدقيق والمازوت، وخفض سعر المحروقات والغاز، وتأمين المستلزمات الحياتية بسعرٍ مدعَّم من هذه السلطات، وإن اضطرّت إلى دفع الفروق من ميزانيتها، فهذا وجه الشرعية الشعبية التي تسعى إليها الحكومات الديمقراطية التّي تحترم نفسها وتقدِّر شعبها.
وبالتزامن مع جائحة الفقر والجوع المكتسح للمنطقة، تجتمع الأطراف الكُردية للبحث في توحيد
القرار السياسي والإداري والعسكري بينهم. وفي رصد الرؤية الشعبية لهذه الحوارات مؤشِّر جديد يشرح نظرة الشارع إلى الأحزاب الكُردية، حيث سبق أن شكل الكُرد أطراً سياسية تحت مسمى التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا، والجبهة الديمقراطية الكُردية في سوريا. ثم تلاهما تشكيل المجلس السياسي الكردي، ولجنة التنسيق الكردية. كان حجم الالتزام الشعبي وقواعد الأحزاب مميزاً مع القرارات التي كانت تصدر عنهم، بل كانت الفئات النخبوية تشكل ضواغط جيدة بهدفِ مزيد من التقارب والانسجام. وشهدت مدينة قامشلو أضخم تظاهرة في تاريخها بعد توقيع اتفاقية هولير/ أربيل في 11 يونيو/ حزيران 2016، وتشكيل الهيئة الكُردية العليا، وملحق الاتفاقية الموقع في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2017، وأيضاً تلقفت الجماهير حدث توقيع اتفاقية دهوك الموقعة في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2018  بارتياح، لكن بأقل من نظيرتها في هولير والأطر السابقة، نتيجة بدء انحسار الثقة، بعد الممارسات والتفرّد وعدم الاهتمام بمتطلبات العيش الكريم للأهالي. وجميع الاتفاقات كانت بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، وكانت تهدف إلى ترتيب البيت الكردي، والخروج بصياغة ومشروع موحد لإدارة المنطقة الكردية مع باقي المكونات، والموقف من المعارضة والنظام السوريين.
لكن المُحدد الشعبي للحوار القائم حالياً، راح يختلف جذرياً عن كُل ما سبق، ولا مجال للتشكيك في مدى إخلاص الشارع الكُردي وتفانيه في سبيل قضيته القومية في سورية، لكن جدّة الحدث الشعبي تبلورت بوجود خط رؤيةٍ جديدة، وبعين أخرى غير مشابهة نهائياً لسابقاتها. ثمة رؤية تقول إن لم تؤمن نتائج الحوار قوتنا اليومي، ومستلزمات حياتنا، وإن لم يُفض الاتفاق إلى عودة المُهجرين من دون سوقهم إلى التجنيد الإلزامي للإدارة الذاتية، وإن لم يؤمن الحوار مستقبلاً للأجيال التي ضاع مستقبلها بسبب مناهج الإدارة الذاتية، وإن لم يكن من نتائج الحوار حتّى قبل الانتهاء منها، تأمين ما يسدّ الأفواه الجائعة، فلا فائدة شعبية منها، على أقل تقدير في الظروف الراهنة.
وصحيحٌ أن ما يتوافر لدى المجلس الكُردي من أموال، مقارنةً بالأرقام المرعبة للمداخيل الاقتصادية والمالية للإدارة الذاتية لا يكاد يُذكر أبداً، ولا مجال للمقارنة ولا حتّى مجرد ربع بالمليون. لكّن المجلس الكُردي لو استغنى عن ذلك الرقم البسيط، ولو شهرين، ويؤمن قوت عشرات من العوائل المعدومة، لحقق عاملين متداخلين، سيشعر شهرين بمرارة العيش التي عانتها الأسر والناس ثماني سنوات، وسيحقق مكسباً جماهيرياً جيداً. وفي الطرف الآخر، إن الخمسة ملايين دولار رسوم تصدير المواشي إلى إقليم كردستان، وقرابة الــ330 ألف دولار شهرياً ضرائب إدخال الدخان إلى المنطقة، بإمكانها إعانة الملايين شهرياً، إلى حين إيجاد مخرج للأزمة التي من المتوقع أن تزيد عدد حالات الانتحار والسرقة. هذا عدا عن النفط والضرائب وعشرات الموارد المالية التي تستأثر بها "الإدارة الذاتية" وحدها.
سيذكر التاريخ مجاعةً فتكت بمنطقة تعجّ بالخيرات والأموال والموارد الاقتصادية التي كانت تُعيل سورية كُلها، بكتلة موظفيها ومشاريعها والتسليح والسرقة والنهب، لكنها تعجز عن تأمين رغيف خبز بسعر لا تُبكي النسوةَ حزناً على جوع أطفالهن.