قانون القدس الموحدة... إمعان في انتهاك القانون الدولي

08 يناير 2018
دأب الكيان الصهيوني منذ قيامه على انتهاك القانون الدولي بشكل دائم وصارخ تدعمه في ذلك الإمبريالية الأميركية الغاشمة المساندة للباطل، حتى أصبحت ثقافة سائدة في الشخصية الصهيونية.

ولكن هذه المرة يسجل رقم قياسي جديد في أسرع انتهاك للقانون الدولي والقرارات الأممية الخاصة بالقدس، فلم يمضِ سوى 13 يوماً على قرار الجمعية العامة الصادر بتاريخ 21 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تحت عنوان "متحدون من أجل السلام" بموجب القرار 377 لسنة 1950 حتى صادقت الهيئة العامة في الكنيست (السلطة التشريعية) في الكيان الصهيوني في الثاني من يناير/ كانون الثاني 2018، وبشكل نهائي على قانون أساس (القدس عاصمة إسرائيل المعدل) بتأييد أغلبية 64 عضو كنيست، فيما عارضه 52 وامتنع عضو كنيست واحد.

ويعتبر هذا التعديل هو الثاني على قانون أساس القدس عاصمة إسرائيل، الذي أقره الكنيست في 30 يوليو/تموز 1980، وعدله أول مرة سنة 2000 ومن ثم عدله للمرة الثانية مطلع العام الجاري.

ووفقاً للقانون المعدل حالياً، فإن التخلي عن السيادة الإسرائيلية على أي جزء من القدس المحتلة إلى أي كيان أجنبي منوط بمصادقة أغلبية 80 عضو كنيست، بدلاً من 60 عضو كنيست، علماً أن الحصول على هذه الأغلبية سيسمح أيضاً بإعادة رسم حدود المدينة، وبذلك أصبح يشترط أغلبية استثنائية خاصة تستلزم موافقة ثلثي أعضاء الكنيست، لنقل أي أجزاء من القدس المحتلة إلى الفلسطينيين في أي تسوية سياسية مستقبلية، على خلاف باقي القوانين الأخرى التي تقر بـالأغلبية المطلقة (النصف+1) وهذه الأغلبية تعتبر مستحيلة نسبياً وتعتبر عائقاً جديداً أمام أي عملية تسوية مستقبلية وهدم للشرعية الدولية.

وهذا التعديل يعتبر استمرار الممارسات الصهيونية إجرائياً وإدارياً وتشريعياً في تغيير معالم القدس وممارسة سيادة غير شرعية عليها.

ويعتبر هذا القانون الأساسي المعدل استثمارا صهيونيا لتصريح ترامب واعترافه بالقدس كعاصمة لكيانهم الغاصب، والصادر في 6 ديسمبر/ كانون الأول 2017، وما تلاه من دعم أميركي غير مسبوق وعلني للدفاع عن هذا الاعتراف. وهو في جوهره تحد صهيوني سافر للإرادة الدولية وهدم وتقويض للشرعية الدولية. ويمثل ذروة الإمعان في انتهاك أحكام القانون الدولي ورداً صريحاً على قرار الجمعية العامة يستدعي تدخلها الفوري للتصدي لهذا القانون.


في الجانب القانوني:

القانون الأساسي المعنون "القدس عاصمة إسرائيل" الصادر عن الكنيست في 30 يوليو/ تموز 1980، وجميع تعديلاته اللاحقة في سنة 2000 والسنة الحالية 2018 جميعها قوانين وتشريعات باطلة وفق أحكام القانون الدولي وذلك من من عدة جوانب:

أولاً: استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 478 الصادر في 20 أغسطس/ آب 1980، أي بعد أقل من شهر من صدور قانون الكنيست حول القدس، والذي يعتبر قرارا تاريخيا حيث أنه أعلن صراحة بطلان هذا القانون. واعتبر تطبيق هذا القانون، خرقاً للقانون الدولي، ودعا الكيان الصهيوني إلى إلغائه، حيث أن القاعدة القانونية العامة تنص على أن ما بني على باطل فهو باطل، لذا فإن أي قانون أو تشريع لاحق على القانون الصهيوني، أو أي تعديل له يعتبر باطلاً بالتبعية ولا يرتب أي آثار قانونية.

والجدير بالذكر أن القرار 478 لسنة 1980 يعتبر أهم قرار من حيث لهجته ومضمونه إذ أنه:

1. أدان الكيان الصهيوني ووجه لوماً شديداً بسبب مصادقته على القانون الأساسي بشأن القدس، وأثبت رفضه التقيد بقرارات مجلس الأمن الخاصة بالقدس وأعلن عدم الاعتراف بـ"القانون الأساسي" وغيره من أعمال إسرائيل التي تستهدف نتيجة لهذا القرار، تغيير معالم القدس ووضعها. وأكد أن هذا القانون يشكل عقبة جدية أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط.

2. أكد صراحة أن مصادقة الكيان الصهيوني على"القانون الأساسي" تشكل انتهاكاً للقانون الدولي، ولا تؤثر في استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة الموقعة في 12 أغسطس/ آب 1949، والمتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب على الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بما في ذلك القدس؛ وقرر أن جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، القوة المحتلة، والتي غيرت معالم مدينة القدس الشريف ووضعها واستهدفت تغييرها، خصوصاً "القانون الأساسي" الأخير بشأن القدس، هي إجراءات باطلة أصلاً ويجب إلغاؤها.

ثانياً: مخالفته لمبدأ قانوني عام، هو عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

ثالثاً: مخالفتة الصريحة لعشرات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن بما فيها القرارات أرقام: (242 - 252 - 267 - 298 - 338 - 446 - 465 - 476 - 478 - 2334) التي تقر بأن اتفاقية جنيف الرابعة تطبق على القدس باعتبارها أرضاً محتلة وأن أي قرارات أو إجراءات يقصد بها تغيير طابع مدينة القدس الشريف أو وضعها أو تكوينها الديمغرافي ليس لها أي أثر قانوني ولاغية وباطلة ويتعين إلغاؤها امتثالاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

رابعاً: مخالفته لآخر قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (10/22) بتاريخ 21 ديسمبر/ كانون الأول 2017، في جلستها الاستثنائية الطارئة تحت عنوان متحدون من أجل السلام بأغلبية ساحقة 128 دولة والذي أكد على:

أ‌. جميع القرارات الأممية السابقة ذات العلاقة بالقدس.

ب‌. وأكد على الوضع الخاص لمدينة القدس الشريف، ولا سيما الحاجة إلى حماية وحفظ البعد الروحي والديني والثقافي الفريد للمدينة، على النحو المتوخى في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

ت‌. أكد بشدة على أن مسألة القدس، هي إحدى مسائل الوضع النهائي التي يتعين حلها عن طريق المفاوضات، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

خامساً: مخالفة فاضحة وفاحشة للرأي الاستشاري والفتوى القانونية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 9 يوليو/ تموز 2004، الذي أكد على عدم شرعية الجدار الفاصل الذي شرع الكيان الصهيوني في بنائه على الأرض الفلسطينية المحتلة ابتداء من عام 2000، وأكد أيضاً أن الأراضي التي احتلتها اسرائيل في العام 1967، هي أراض محتلة، وكان لإسرائيل فيها وضع السلطة القائمة بالاحتلال، وجميع هذه الأراضي بما فيها القدس الشرقية ما زالت محتلة فقرة (78)، وأوضحت المحكمة أن عدم شرعية الجدار ليست نابعة فقط من أنه يعثر حياة الفلسطينيين بل لأنه يقيد حق الفلسطينيين بممارسة حق تقرير المصير.

سادساً: قرارات منظمة التربية والعلم والثقافة (يونيسكو):
وآخرها القرار الذي أصدرته اليونسكو في الثاني من مايو/ أيار 2017، والذي يعتبر إسرائيل دولة محتلة للقدس ويرفض سيادة الاحتلال الاسرائيلي عليها ويعتبر أن ضم إسرائيل للقدس الشرقية لاغياً وباطلاً، ويدعو القرار إسرائيل إلى إلغاء أي إجراءات تشريعية وإدارية تتخذ لتغيير طابع ومكانة مدينة القدس ويطالب القرار إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، بوقف الحفريات وفتح الأنفاق والأعمال والمشاريع المستمرة في القدس الشرقية.

وأمام هذه الانتهاكات والخروقات للقانون الدولي يكون المجتمع الدولي والأمم المتحدة مطالبة بتحمل مسؤولياتها كاملة وتطبيق أحكام القانون الدولي، وتحديداً المادة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة وإنهاء عضوية الكيان الصهيوني كدولة عضو في الأمم المتحدة وقطع كافة العلاقات الدبلوماسية معها وفرض عزلة دولية عليها.

وبالنتيجة فإن القانون المعدل خطوة سياسية تكتيكية وضعت في قالب قانوني لغلّ يد الحكومة الصهيونية عن أي قرار أو تفاوض حول القدس في أي عملية تفاوضية مستقبلاً وإنهاء لأي اتفاقات ماضية.

وإذا كان تصريح ترامب قد أطلق رصاصة الرحمة التي أنهت حياة اتفاق أوسلو الذي كان يعيش في غيبوبة لأكثر من 23 سنة، فإن قانون القدس المعدل هو انتهاك لحرمة الميت (اتفاق أوسلو) الذي يتوجب إكرامه بدفنه.